
العلاقات ولعبة الشطرنج
قد يظل وجه القبح المسكوت عنه غائبًا، إلا أنه لا بد أن يُظهر ملامحه في يومٍ من الأيام، مُتجليًا في واقع العديد من الناس، ومن لطف الأقدار أنها قد تُظهره بشكلٍ مُتدرج في بعض الأحيان؛ ليكون الإنسان قادرًا على اكتساب مناعة ضد قبح وشحوب كثيرٍ من الملامح. ومن ذلك القبح ما قد تجده في بعض العلاقات التي يُفترض أن تكون قوامها مستمدًا من مرجعية إسلامية تقوم على وصايا نبوية تدعو إلى «المحبة في الله، وإحسان الظن، والتجاوز، وأن يحب المؤمن لأخيه ما يحبه لنفسه»، إلا أنها تبتدئ بودٍّ مُغلَّف بمطامع ومصالح، وتنتهي بانتهاء تلك المصالح أو بتجاوز مراحل من الصعوبات والمخاوف.
وفي وقع ذلك القبح على النفس المدفوعة بالإيمان وتقديم الظن الحسن والإحسان ثقلٌ أشد من وقعه على غيرها، فالمقايضة في العطاء والأخذ هي طبيعة العلاقات التي لا يُستحسن أن تتوسع إلى غير صورتها، وذلك قد يكون من أفضل ما يسير عليه الإنسان في تعاملاته المادية والمهنية، أما فيما يتعلق بدوائره القريبة، فإن رؤيته لطبيعة المقايضات تكتسحها قد تُحوِّل رؤيته الإيمانية في التعامل من منطلق اعتقادات إيمانية، وإحسان ظن، ونية، إلى رؤية أن الحياة، بما فيها من علاقات ومظاهر وصور لتلك العلاقات، لا تتجاوز حدود المصالح والمطامع والانتهازية.
ومن هنا قد يبدأ التحول في الإنسان ودوافعه، فتجده يرفع من معاييره واشتراطاته في علاقاته لدرجة تتجاوز معايير احتمالات وجودها في الإنسانية، أو يُفضل اختياره للانطوائية التي تُغنيه عن إعادة قراءة ما تحمله النفوس وتحاول إخفاءه من ملامح، وإما أن يعود لينتقم لنفسه بأن يكون أفضل لاعب شطرنج، فيكون انتهازيًا ممتصًا لطاقات من حوله، ثائرًا لنفسه من مساهمات أو مبادرات قدمها في محيطه أو مجتمعه، محاولًا أن يستعيض بذلك عن بعض ما يراه من حقوقه المهدورة والواجبة على الآخرين تجاهه.
وقد تجد ذلك التحول في الصنف الأخير لا يقتصر على علاقاته فقط، بل إنه يصل إلى سلوكه وتعامله فيما يتعلق بأعماله ومسؤولياته، فقد تجده ينتهي بالتحول من إنسان مبادر ومخلص ومعطاء في عمله إلى إنسان لا يقبل إلا أن تكون له مكاسبه الشخصية من كل عمل يقوم به، فيُقبل على نفسه أن يكون مرتشيًا، أو محتالًا، أو أكَّالًا لحقوق غيره، دون تقدير أو اعتبار لما قد يلحقه أو يلحق الآخرين من أضرار.
وفي الختام، قد يكون من عظيم حظ الإنسان أن يختار خسارة اللعبة؛ ليخرج من دائرة اللاعبين إلى دائرة الصانعين.

اترك تعليقاً