آخر أوراق الرجاء | تدوينات وتأمليات

قبل عدة أعوام، وفي لحظات كنت أبحث فيها عن صفاءٍ ذهني، ومن الأمور التي اعتدت ممارستها للوصول إلى تلك الحالة هو الخروج لسلك طريق طويل بالمركبة مرورًا بعدة محافظات.

في ذلك اليوم تأخر الوقت، ولم تعد في المحافظة التي مررت بها غير أنوار أحد المطاعم. توقفت أمامه، بينما كان صوت الضمير نائمًا، همس صوت النفس الأمّارة بالسوء:

“يقولون إن تناول البيتزا يساهم في رفع هرمون السعادة.”

ولكن، هل كنت أحتاج السعادة، أم كنت أريد أن أكون العميل الأخير لذلك المطعم، والذي يجعل العاملين فيه يشعرون بأنهم في غاية النُبل، حيث أنقذوا بشريًا من النوم بلا عشاءٍ متأخر؟

أذكر أني قمت بدفع قيمة فاتورة الطلب والعودة إلى المركبة، حيث لم يناسبني الانتظار داخل المطعم. فتحت نافذة المركبة، الصمت والهدوء في تلك اللحظات كان لديهما قدرة على أن يجمعا بين شعورين: شعور بالجمال وشعور بالحزن في ذات الوقت.

نعم، ذلك يحدث في فصل الخريف، وهناك شيء في فصل الخريف يدعوك للحذر من الهواء، والنقاشات الحادة، الجدالات، والانغماس في الحزن.

وبالعودة إلى ما قد آتاني من النافذة، أتاني بعد الهدوء والصمت، صوت من الطبيعة. لقد تحدثت الطبيعة لي في ذلك اليوم، وكان ذلك حينما سمعت أوراق الأشجار مدفوعةً بالهواء، وصوت تلك الاوراق وهي تحتك بالأسفلت فتتهشم وتتفرق على الطريق.

أوراق على غصنٍ واحدٍ سقطت وتفرقت. أوراق تمسكت بالغصن طوال فترة حياتها، وقد وظّف الغصن كل مساعيه في سبيل أن يكون لتلك الأوراق التي سقطت حياةً وديمومة.

ولكن للحياة قوانين لا تبالي بما مرّت به الأوراق، وما اجتهد في عمله الغصن ليمرّر لها ما يُعينها على أن تكون خضرةً نظرة.

لقد استحثّني ذلك المشهد على كتابة أبيات بسيطة، لأتذكر بها صوت الطبيعة، وأحذر من فصل الخريف، متقبلًا احتمالات ما قد يحدث خلاله.

فكتبت:

آخر أوراق الرجاء

آخر أوراق الرجاء بالطريق طاحت
ومع هدوء الليل كان لها حِس
أبعدها الهواء عن غصنها وراحت
ترثي حالها كيف ما بي قد حَس
الغصن سمعها والدموع ساحت
من ظنها فيه وصار متيبس
وروح الحزن بحضورها اجتاحت
روح الوجود الي كان حي بالأمس


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *