المشهد الثقافي | لهو الحديث

المشهد الثقافي | لهو الحديث 

المشهد الثقافي وإثرائه والارتقاء به من الصعب أن تقوده وتنهض به جهة واحدة مهما كانت مبادراتها، أو فرد بعينه مهما كانت امتيازاته والمحيط الداعم من حوله، وخصوصًا في مجتمعنا الخليجي الذي يشكل الدين والتعاليم الدينية جزءًا أصيلًا من عاطفته، ويحكم توجهه وامتداده النفسي. وحيث إن دوافع الإنسان نحو الثقافة والفن، في أصلها وبحسب ما أراه، هي دوافع عاطفية وروحية.

فقد جاءت على المجتمعات الخليجية أعوام كان فيها صوت التشدد تجاه كل ما هو ثقافي وفني طاغيًا، فُكُمِّمت العواطف، وأُطفئ سراج الروح والحس المرهف، وأصبح الإنسان متخليًا عن دوافعه العاطفية والروحية تجاه التغني بالجمال وتخليقه، تاركًا الثقافة والفن والتوسع الجمالي الذي يمكن أن تأتي به، ومتجهًا إلى تسخير وحصر حياته لتأدية واجباته الاجتماعية والدينية، والانكفاء على رؤية ذاته وحياته بلا امتداد ولا توسع خارج ذلك الإطار أو القفص الضيق الذي صُمت عنه وقُبل به.

وحياة تقوم على الواجبات دون غيرها حياة لا بد أن يتفشى فيها الضجر، وتتملكها موجات الغضب، وتضعف شيئًا فشيئًا حتى تسود الرتابة أو السوداوية فيها. فيصبح الإنسان فنانًا في تخليق الوساوس والسوداوية حتى في ظل تدينه، فقد تجده يذهب لإحياء ثقافة دينية فنية يشيع فيها الحديث عن الجن والقرين والمس وأنواعه، فيستبدل فنًا يمكنه من خلاله لمس ملامح روحه بفن يلمس فيه ظلام مخاوفه وظلال وحشته في حياة لا إيمان بتأثير جمال الفن فيها.

ومن يوفق في فتح أبواب سجون الروح الفنية لبعض من سبقوه في تجربة الحياة، وعبروا عن ذواتهم بلغة فنية قبل أن تحاصر الأفكار الدينية المتشددة أرواحهم وإحساسهم من كل اتجاه، سيعجب كيف لأفراد يحملون ملامح الصحراء، وتحمل قصص حياتهم بعض شحوبها، أن يكونوا بكل ذلك الجمال والامتلاء، ودون أدوات ومقومات تعليمية كافية، قادرين على تخليق ما يعبرون به عن الجمال بلغات هي أشبه باقتباسات همست لهم بها أرواحهم من عالي السماء.

واليوم، بعد اختفاء مصطلح “لهو الحديث”، وما كان يستخدم في الخطابات المتشددة من مفردات تم توظيفها لتسهم في وأد الكثير من احتمالات التوسع الفكري والفني، وتكفين ودفن الكثير من المواهب والإبداعات، وكل ما يُحتمل أن يكون فنيًا وملهمًا، ينبغي أن يعاد بعث الرغبة وإحياء العاطفة، لتُحل قيود الإنسان، ويلمس شيئًا من حريته في التوسع والتعبير الجمالي مؤمنًا بأن من تمام عبوديته لله سبحانه أن يسهم بما يحبه سبحانه فهو ” جميل يحب الجمال “، وأن يشارك الإنسان ما تفيض به روحه من جمال دون إحساس بأن هناك اغترابًا سيعيشه، أو ضمائر متأَنِّبة تجاه الجمال سوف تمارس شكلًا من أشكال الوصاية على ما سيكون عليه أو يمتد ويذهب إليه. 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *