تأملات في آثار التيسير مع الاستغفار | تدوينات وتأمليات
على مر العصور يحدث أنه مع كل تقدّم في الحياة، تقل الشفافية، وتتشوّه الفطرة السويّة، وتتراجع الحواس الإنسانيّة، وتتسرّب الشكوك إلى الإيمان والتصديق بالوعود السماويّة.
لقد ذهبت الإنسانيّة بكل اجتهاد لتغطية أشجار الحياة بكامل جذوعها وأطرافها بغطاءٍ كاملٍ من نسيج الماديّة بأشكالها المتعدّدة.
يعيش إنسان هذا الزمان تقاربًا مع مرحلة تراجع الحواس وتبلّد الإحساس؛ يكون فيها مصدّقًا بالوعود السماويّة ظاهريًا، وكافرًا بها في باطنه، وذلك لأنه خالط كثيرًا، وحفظ ولُقّن كثيرًا، واستعدّ بكل ما لديه ليجد نفسه مصطفًّا في طوابير طويلة تأخذه في طرق لا تُشبه الإيمان، ولا تُنمّيه، ولا تُظهر نتائجه، ولا تؤدّي إليه.
يذكر الخالق سبحانه ويعد في كتابه بلمس فضل وآثار الاستغفار، ولكننا شيئًا فشيئًا نتجه لنكون في أبعد نقطة عن التصديق بالوعود الإلهيّة. ولكن لماذا؟
هل ذلك لأن إيماننا تحوّل -بفعل كثرة المخالطة بالبشر وانقطاع الأنبياء والرسل- إلى إيمانٍ بما يعد به الإنسان “المتقدّم”؟! وهل فعلاً قد تقدّم ذلك الإنسان؟! ولصالح من تستمرّ رغبته في التقدّم؟!
ينسى الإنسان أحاديث الرسل والأنبياء والحكماء، والتي هي صور من الوحي والإلهام السماوي، والآتية من خلال جمل موجزة وبضع توصيات، لتُثبت أنها أهمّ السُبل للنجاة في الحياة.
“اعملوا، فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له” — قالها الرسول محمد ﷺ ليُذكّرنا أن بشريّتنا قائمة على التنوّع لا التشابه، وأن أقدارنا قد كُتبت مسبقًا، وقد قبلناها قبل قدومنا إلى هذه الأرض.
ولكننا نسينا، أو ذهبنا للتصديق بما يعد به “الإنسان المتقدّم”. وذلك هو أوّل اغتراب وعذاب، قد ينتهي بالإنسان إلى البؤس ودفن رأسه في التراب.
ولأنّنا نسينا ما أتينا من أجله، وما قُدِّر لنا ويُسِّر لنا في عمله، فإنّنا أبعد ما نكون عن لمس آثار الاستغفار.
ينقطع الوحي مع خاتم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكن يظلّ الوعد الإلهي بالمدد السماوي من الإلهامات — لا الوحي — لأولئك المستغفرين، المصدّقين بأن التيسير سيكون حليفهم، والتوفيق رفيقهم، إن قاموا بالعمل فيما قد خُلقوا لأجله:
“فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا
يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِدْرَارًا
وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ
وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ
وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا”
فتأتي دون انقطاع: الكلمات للشاعر، والجُمل للكاتب، والألحان للملحّن، والنغمات للعازف، ويأتي الطرب في صوت المغني، والخشوع في صوت القارئ، واللذاذة في وصفات الطاهي، والمشاريع للمطوّر، والتصاميم للمهندس، والأسئلة للمفكّر والمتأمّل، والحكمة للمرشد والمعلّم.
ويمتدّ الإبداع ليأتي بالجديد، الذي يُثري التجربة ويُطيل من عمر الدهشة لكلّ من قَبِل قدره الذي قد قُدِّر له مسبقًا.
لقد عمل “الإنسان المتقدّم” كلّ ما بإمكانه ليجعل غيره يستجيب للتلقين ويعيش كإنسان مسكين، تائهًا مغتربًا عن ذاته، غير قادر على الخروج من حدود الأنماط والمقارنات في حياته، إن آمن بغير ما تمّ تلقينه به.
وسيظلّ ذلك الإنسان بعيدًا عن الإلهام والتمكين، زاهدًا بما حقّقه في طرق لا تُشبهه، غاضبًا من نتائج لا تُلامس حقيقته، إلى حين أن يهتدي لنفسه.
وقد يبتعد عن الهداية، فيتحوّل بسبب خوفه، وتمكّن ذلك الشعور بالاغتراب منه، إلى شيطانٍ لعين، يُعادي أولئك الذين هم في طريق الهداية لأنفسهم، والعمل لما قُدّر ويُسّر لهم في هذه الحياة.

اترك تعليقاً