المياة التي لا يصيبها الجمود

بعد العناية بالصحة النفسية، والجهاد للوصول لاتزان وسلامة المنطق الديني والروحي من الانحرافات المتطرفة، قد تكون الرياضة أحد أهم العوامل للحفاظ على صحة ونشاط الجسم، فضلًا عن كونها عاملًا مساعدًا لتخليصه من فائض الطاقة. هذه الطاقة، إذا لم يُحسن الشخص توظيفها، قد تتحول بصورة ما إلى أحد أشكال الطاقة التدميرية المضطربة، كما هو شائع في القول.

لكن يبدو أنني لم أقرأ لأحدٍ تحدّث عن الرقص، ولدي ما أقوله في هذا الجانب.

فعلى الرغم من كوني متصالحًا مع احتمالات عدم الاتزان في بعض الجوانب التي سبق ذكرها، إلا أنني أرى في ممارسة الرقص — والذي لا أمارسه شخصيًا — جانبًا مهمًا وعلاجيًا، خصوصًا لأولئك الذين يعانون من اضطرابات حادة في المزاج نتيجة انغماسهم في أدوار قادتهم الحياة لتأديتها، مما أورثهم شيئًا من الجمود، وجعل مياه الحياة فيهم راكدة.

ولو كنت طبيبًا نفسيًا، وجاءني مراجع مصاب بعلل نفسية حادة — من الاكتئاب إلى النرجسية، مرورًا بغيرها من المسميات — لأوصيته بالرقص، وذلك بعد تحسين جودة ارتباطه وتعلقه بالله.

ولو كنت مستشارًا في مجالات تعليمية، لكان الرقص أحد المواضيع التي سأحملها بكل حرص لتكون ضمن المناهج الدراسية، كي لا يخرج الإنسان إلى هذا العالم بعقل مُلقَّن، وبدن يحمل مياهًا مصابةً بالجمود، وشخصية مهيأة لأن تصير — بعد تجارب وصدمات الحياة — ذابلة منغلقة غير مرنة.

أرى — ولا أقول إنني أشعر فقط — أن الرقص هو الفن الذي يجعل الإنسان يحمل “مياهًا متجددة لا يصيبها الجمود”، فيحرره من سجن الشخصية التي قد يكون اختارها أو ساقه القدر ليختبره هل سوف يتلبسها، فتثقل على روحه وتفقده قدرته على الحركة، للوصول إلى ما هو أبعد من نفسه التي عرفها من خلال ما عايشه في ماضي حياته أو سيقاومها بمياه تتجدد.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *