الإعاقات المشاعرية والتشوهات النفسية | تدوينات وتأمليات
المشاعر هي الرئة التي تمد وتضخ الحياة في قلب الإنسان، وهي ما يحدد ويحفّز امتداد دافعيته نحو الحياة. وإن تزاحم في ذلك القلب الكثير من المشاعر السلبية، وتزامن ذلك مع جهل الإنسان بسبل التخفف والتحرر منها، فإنه وبلا شك قد يتحول إلى شخص مصاب بإعاقة مشاعرية؛ فتدفعه السلبية المتراكمة التي يتنفسها لمعاملة الناس أو الظن بهم أو الظن بالإله، حسب ما يتنفسه من سلبية هو على اتصال دائم بها، معتقدًا بأنه عرف الطبيعة وعرف الحقيقة، وأنه المتفرد الذي يقاوم الجهالة بمقاومة ما هو غير طبيعي وحقيقي، بينما يكون قد تحول إلى مخلوق آلي سلبي لا يعرف من الطبيعة أو الحقيقة إلا اسمها.
وضبط المشاعر وتنقيتها من خلال إلقاء نظرة شمولية غير متمحورة حول الذات والقصة التي عايشتها فتسببت بتلك الإعاقة، يستلزم تعلّم سبل تحرير ما هو سلبي منها، لا قمعه أو كبته، ولا التوجه للمراوغة والتحايل من خلال ممارسة فن الجمود تحت مظلة الاتزان الظاهري والبرستيج الاجتماعي، أو البحث عن مواقف أو أشخاص لإسقاط هذه الإعاقة المشاعرية السلبية عليهم. وقد يحتاج الإنسان المساعدة لبلوغ ذلك، وقد لا يصل إلا إن أدرك ضرورة اختيار التصالح والتسامح والتسامي فوق أحداث تلك القصص وما خلفته من أثر؛ وهي اختيارات ليس من السهولة اتخاذها، لكنها اللازمة للتحرر من تلك الإعاقات المشاعرية وما قد تخلفه من تشوهات نفسية.
والإعاقة المشاعرية حادثة تحدث للكثير من الأفراد في عمر مبكر، والكثير منهم يعرف وينكر ذلك، معتقدًا بأن الحياة أسرع من أن تنتظره لإعادة ضبط وتأهيل مشاعره لبلوغ حالة الاتزان. فيكون بذلك قد اختار أن يكون نصيبه في الحياة هو أن يتواجد عالقًا في حب مادياتها ومظاهرها، ثم يستيقظ ليجد نفسه ضجرًا من طول عمر إعاقته المشاعرية وتشوهاته النفسية واغترابه عن طبيعته وطبيعة الحياة الحقيقية.
وهناك من يجد أن هذه الإعاقة المشاعرية المبكرة، والتي يجتر أحداثها طوال حياته، هي المبرر له ليتجه للوقوع في أحد علل الثالوث المظلم، فيعيش اعتلالًا واضطرابًا وتشوهًا نفسيًا يجعله حاملًا في داخله رغبات انتقامية دفينة لإعاقة من حوله أو إلحاق الضرر بهم. فلا تصالح داخلي، ولا تصالح مع الآخر، ولا تصالح مع الحياة. وهكذا تمضي الحياة؛ يكبر الإنسان فيها عمرًا ورقمًا بينما لا يزال عالقًا في إعاقات مشاعرية وتشوهات نفسية دائمة تجعله الأقرب للوقوع في مصيدة الشيطان.

اترك تعليقاً