العبادة من الاعتياد إلى الاحتياج | تدوينات وتأمليات
تأتي تأدية العبادة غالبًا بفعل التنشئة، بالتدريب والتأهيل والعادة، وقد تتحول إلى اعتياد. ويعيش الإنسان عمرًا على عبادات اعتادها، وقد يجد الشيطان في مراحل يأس وإحباط الإنسان مساحة ليوسوس له حول أمور تجعله زاهدًا في تأدية ما اعتاده من العبادات إذا لم تنتقل به إلى مستوى ما يرغبه ويعتقد أنه يستحقه. وليس ذلك متعلقًا فقط بعبادة يؤديها ليكون على اتصال بربه، بل وعلى اتصال وتأثير حسن بمحيطه ومجتمعه.
وفي مرحلة ما قد تتفجر ثورة متخفية ومكبوتة في أعماق النفس لمحاولة إظهار عدم الاحتياج، فيتجه البعض للإلحاد بأشكاله المختلفة. وقد يجد الملحد الغربي نفسه بعد مرحلة تشبع من الحياة أنه بحاجة لإشباع أناه وتوكيدها وتأصيل طبيعتها، فيتجه للبحث في العلم عن مصدر نشأة الكون وبداية الخلق والحياة على الأرض وأصل الإنسان، لحاجة خفية في نفسه قد يكون دافعها الشعور بالطمأنينة بأنه لن يكون محتاجًا أو محاسبًا. وهذا، وإن لم يكن مصرحًا به، قد لا يبدو إلا كنوع خفي من رفض الانقياد للسلطة لعدم اليقين بحكمتها.
وقد يمكن تتبع سبب هذا الرفض ورؤية أنه قد يمتد لمراحل عمرية مبكرة، حينما كان الإنسان طفلًا يعيش في عالم مملوء بمن يراهم يأخذون دور السلاطين، وهو إما المُحاكم أو السجين حسب أمزجة وأهواء ومستوى وعي من يفوقونه سلطةً.
ولأن النفس التي خُلق منها البشر هي نفس واحدة، فكذلك يمكننا لمس ما قد يكون متخفيًا في نفس الملحد العربي، الذي قد يكون يحمل ثقلًا متراكمًا ودافعية ثورية للتوجه للإلحاد، وذلك لاحتمالات عيشه في ظروف أبرزها ما قد يكون متعلقًا بنشأته في بيئة قد تكون غير سوية. تتأصل فيها الخرافات، وتتراشق فيها التشوهات النفسية، فيكون إلحاده مدفوعًا برغبة برسم حدوده وتوضيح أولوياته واحتياجاته، والتي تميل لتكون في نطاق تقديس المادية والمنطقية، ونحر العفوية والعاطفية، وما قد يأتي معها من فوضى قد عايشها.
وللإلحاد في هذا الزمان أشكال جديدة، منها ما يظهر مرتديًا رداء الوعي، ومستخدمًا لغة يكثر فيها ذكر واستخدام ومحاولة تفسير معنى «الروح». وتكمن خطورة هذا الإلحاد في أنه يتسلل بهدوء وبطء إلى العمق، ويقود الإنسان للإيمان بوحدة الخلق مع الخالق. ومن هناك قد يبدأ الإنسان في التشريع والتصريح لنفسه للإبحار في مساحات ضبابية وغير ثابتة، يبني عليها معتقداته وإيماناته وتحديد استحقاقاته، معتقدًا بأنه يمارس حقه وحريته ويحسن في تأثيره وإيصال رسالته.
وهنا قد يتحول الإنسان من الإيمان بالقدر إلى إيمان بصناعة القدر، وقد يصرّح لنفسه بمحدودية احتياجه للعبادة أو لا يعتقد باحتياجه بالكلية. وخطوة بخطوة يجد نفسه ليس في طريق للإلحاد فحسب، بل وللوقوع في ممارسة للسحر، وهو على علم أو جهل بذلك، ونعوذ بالله من كل ذلك.
ويمكن لمن يقرأ الآية من سورة الأنعام:
﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾
أن يجد أن الأمر يتحقق في هذا العصر بكثرة وبشكل معلن. وقد عملت بعض المدارس والتوجهات الفكرية والدينية المختلفة على تفشي بعض الأفكار التي فتحت للإنسان، بعبارات حالمة وجاذبة، مثل:
«الكون موجود في داخلك»، «كما في السماء كما في الأرض»، «ما تبحث عنه يبحث عنك».
أبواب توجه الإنسان نحو البحث عن نفسه في الغيبيات، مدفوعًا بالأماني التي يحلم أن تغنيه عن كثير من الاحتياجات.
(وليس كل بحث أو حديث عن الوعي والروح لا بد أن ينتهي بانحراف فكري أو عقدي أو ينتهي بالسحر).
والمختصر البسيط والمفيد الذي كنت أراه من بعيد، وكان من اللازم أن أعبد له الطريق لأصل إلى قوله: إن الإنسان مخلوق مقدر له الاحتياج، وهو يحتاج السفر إلى ملكوت الله سبحانه بما يعتاد من العبادات. والسفر طريق طويل، ورؤية ولمس أثر الجمال فيه يحتاج إلى الصبر الجميل.
والإنسان يحتاج أيضًا إلى أن يجد نفسه مفهومًا ومشاهدًا في علاقات آدمية سوية آمنة، ولكنه قد يستشعر العار من احتياجه، فيصدّ الاحتياج بالإلحاد، والذي هو كسر للنفس، لا انتصارًا لها، ولا لطفًا أو تلطفًا أو رحمة بها.

اترك تعليقاً