إيقاعك وكنزك المدفون | تدوينات وتأمليات

قالوا: “فاقد الشيء لا يعطيه” وجاء بعد ذلك من قال: “فاقد الشيء قد يعطيه وقد لا يعطيه”

وأقول:
لو سألوني: فاقد الشيء يعطيه؟
قلت: أساسًا هو بـ هالشيء مليان
ما حد جاء لـ هالدنيا إلا وربي مغنيه
ومهديه كنوز مفتاحها صدق الإيمان

وفي زمن تموت وتُغتال وقد تُفقد فيه العواطف الإنسانية تجاه الإنسانية ذاتها، ويتلبس وجود الإنسان الجمود، وتعود عواطفه إلى عاطفة الإنسان الأول، ذلك الإنسان الذي يحمل الدماغ الزواحفي، يعود إنسان هذا الزمان لذات ذلك الدماغ تحت غطاءات التحضر بمسميات كثيرة وشهادات كثيرة وتحركات كثيرة ومنظمات كثيرة ونظريات كثيرة، مدفوعًا بطموحات بالهيمنة كثيرة، ليطفئ بكثيره ويدفن بكثيره الخير في كثيره.

لقد شهد المتأمل في كل زمان الكثير من النشاز الفكري والاعتقادي والعقائدي الذي يُغيب الإنسان عن إيقاعه الروحي وسلامه النفسي واتزانه العقلي، ليغرقه في الحزبية والطائفية والمادية، ويجعله أسيرًا لحدود عاطفية تنحصر في محيط ما يخدم مصلحته وبقاءه وارتقاءه، حتى وإن كان ذلك على حساب زعزعة وجود أو الإسهام في تدمير وجود غيره.

لم يُترك إنسان هذا الزمان ليعيش تجربة وجودية في جسم سليم؛ فقد حُقن جسمه بالسموم مبكرًا، وأُغرقت مائدته بأطعمة مصنّعة تقلل من احتمال أن يستشعر السلامة في جسده. ولم يُترك ليعيش تجربة تؤدي به إلى العقل السليم؛ فقد وُضع مبكرًا في سباق الفوز والمقارنات، وصُنعت له التيارات، وأُرضع التطرف من الأفكار والمعتقدات والتصورات، ليكون في حالة من الانفصال عن بقية الإنسانية، ويعيش أسيرًا في حدود مشاعرية ضيقة، محملًا وحاملًا لكثير من التشوهات.

وإذا هُدي الإنسان إلى أن يكون مبصرًا، فعليه أن لا يفزع من كمّ التشوهات التي يراها تولد وتتجدد في كل زمان، وأن يدرك حجم الكيد الذي تكيده الشياطين، وحجم المحبة الإلهية التي تهديه ليكون من المؤمنين الذين يهتدون لإحياء إيقاع الجمال في أنفسهم وفي محيطهم؛ فبغير ذلك الإيقاع يكون البشر على الأرض مغتربين.

لقد استخدمت الشياطين كروتها الكثيرة، وقامت باختراق الإنسانية في عصور كثيرة؛ لقد اخترقت الأديان بالتطرف، والعقل بالعلوم المكذوبة، والجسد بالكثير من الأدوية والأطعمة المصنعة، والقيم والمبادئ بالسياسات والمصالح، ولقد اخترقت جمال الذوق المحتشم بالموضة الفاحشة، والخصوصية بالانفتاح، وتناغم الثنائية المتكاملة بالانقسام والفردية الاستحقاقية الأنانية.

أما الفن الذي يمكن أن يُلهم الإنسان ويرتقي بذائقته، فقد قامت باختراقه وتحويله إلى فن يزيد من شهوانيته ويجعله عالقًا في سطحيته، أو يُحيي فيه ما يجعله متعطشًا لقوة غريزية جاهلية تؤدي به إلى قبول واقع عيشه في انقسامات يكون فيها امتدادًا لهمجية قديمة.

ومن ينوي إصلاح ما تم اختراقه في الإنسانية على مدى عصور، فقد يعود لعماه القديم ويساهم بولادة وهم جديد، أو تطرف جديد، أو علم مكذوب جديد، أو يكون أحد أولئك الذين قد يُصابون بالجنون أو الانفصام ليحظى بمسمى قائد أو مفكر حكيم.

فالصدق لا يأتي قبل التصديق والإيمان بأن كل شيء يسير تحت سقف إرادة الحكمة الخفية والمشيئة الإلهية.

والحكمة في ظل هذا الزمان الذي تكثر فيه الادعاءات وتطغى فيه التطرفات وتتراشق فيه التشوهات، أن يكون الإنسان مؤمنًا بأهمية أن يكون متقبلًا، ثم باحثًا عن إيقاعه الخاص الذي يقوده إلى كنزه المدفون.

أن يبحث عن اعتقاد إيماني متزن بلا أفكار تعالٍ وتطرف وانشقاق، وعلى سبيل عيش كريم بلا تعقيد يؤدي إلى استعباد، وعلى فنون راقية ملهمة تحيي فيه إيقاعًا يقوده إلى سمو، يكون فيه في حالة حياة وتجدد وإلهام وامتداد، لا آليًا أو منغلقًا أو مدعيًا مثاليًا أو شيئًا كالجماد، ليلتقي بالأحياء الذين اهتدوا للحياة، ويجد فيهم ومعهم من يشبهه وما يمكن أن يضيفه ويشاركه.

وفي سير الإنسان في طريقه، وعلى أنغام إيقاعه الخاص، لا بد له وأن يجد ويلمس نعيم الشعور بالانفكاك من كمّ الاختراقات التي قيّدته وتلك التي لاحقته، ويعرف من خلال إيمانه كنزه المدفون الذي يجعله يرى كم أن الله أودع فيه من الامتلاء، وكم هو ممتلئ بالقدرة على العطاء، ولكنه يصبح واعيًا بأهمية أن يكون عطاؤه بحدود، كي لا تُخترق حدوده ويُستنزف وجوده.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *