النفوذ بين الاستجداء والاستحقاق | تدوينات وتأمليات
بعد تحقيق نجاح مادي معين تأتي الرغبة بالشهرة والقبول لتوكيد الذات وإمكاناتها على النجاح في التحرك نحو بلوغ مستوى من النفوذ الاجتماعي كمسار ممتد للطموح الإنساني، وهذا مما يُنظر إليه كتدرج طبيعي لما تتطلع إليه طبيعة النفس البشرية.
لكن أن يكون ذلك من خلال الظهور للحديث عن صورٍ ومعاناة مصطنعة لإيجاد روابط مشتركة مع فئات وطبقات المجتمع المختلفة، فهذا شيء يدعو للشفقة، فحينما تشاهد أحد رجال الأعمال يتحدث عن كونه كان مستأجرًا منزلًا (لأحد) زوجاتها لا مالكًا لذلك المنزل، تبتسم من محاولة تصوير ذلك كمعاناة، ومن محاولة جعل ذلك الأمر هو الرابط بين الطبقة التي هو عليها والطبقات الأخرى، ليكون له في ذلك حظوة من القبول والنفوذ الاجتماعي.
والمجتمعات العاطفية بطبيعتها تصدق كل ما يظهر لها دون أن تمعن النظر والتركيز حول ما يقال من تفاصيل، ولو رحت تبحث وراء أولئك الأشخاص الذين يجدون في أنفسهم استحقاقًا لبلوغ نفوذ اجتماعي، لوجدت أنهم كانوا إلى وقت قريب لا يؤمنون بمخرجات المجتمع من الشباب، ولا يرون فيهم استثمارًا حقيقيًّا، بل إنهم الأقرب لاستنزافهم وتحويلهم إلى محارق على هوامش الحياة، ولولا أن التوجهات الاقتصادية والسياسات والأنظمة المهنية أصبحت تقترب من رؤية حقيقة المشهد وتفرض أنظمتها وشروطها، لما رأيت أحدًا من أولئك الذين يريدون أن يكون لهم نفوذ وقبول اجتماعي يبتسم في وجه أحد العاملين لديه من أبناء وطنه.
ونحن هنا لا نطرح نظرة سوداوية ونقوم بتعميمها، بل إننا نتصالح مع الحقائق التي قد ألمح إليها رسولنا الكريم من صفات وطبائع في النفس البشرية التي قد تغلبها الرغبة في الوصول إلى الهيمنة في محيطها الاجتماعي دون تمكين مجتمعها وأفراده من بلوغ منزلة من منازل التمكين والقوة، وذلك حينما قال صلى الله عليه وسلم: “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي”، لا مخبرًا فقط بل ومُلمحًا إلى وجوب أن لا يستكثر الإنسان أن يكون خيرًا في مجتمعه، يكون مددًا في إمداد القوة وتثبيتها على الأرض. وقد يكون مما أضاع المعنى الأعمق لهذا القول هو ما كان يكرر شرحه المتخصصون بالشريعة والدعوة، ويقومون بربطه في كون أن الرسول يقوم ببعض ما يعين به أهل بيته من أعمال المنزل!، وهذا ربط فيه شيء من حجب النظر في حقيقة ما يُراد قوله دون قول من احتمالات أخرى.
ومختصر ما يقال حول النفوذ بين الاستجداء والاستحقاق هو أن النفوذ رغبة طبيعية في النفس، قد تراها كسلعة مكملة لسلسلة نجاحاتها في مجتمعها، والمجتمعات العاطفية قد تمكن الفرد من أن يشتري لنفسه ما يريد أن يبدو ويظهر عليه، وقد يحصل على ما يحصل عليه من نفوذ.
إلا أن النفوذ المستحق شيء لا يسعى إليه الإنسان، وقد لا يظهر على السطح ولا يدونه التاريخ، حيث إن انطلاقه يكون من دافعية روحية وحمية قلبية محبة لرؤية ديمومة الخير وامتداد القوة، ولن تجد قويًّا فعلًا يحمل رغبةً في الهيمنة أو غير راغبٍ في تمكين من يعلم في باطنه أن فيهم من القوة ما قد تتجاوز قوته في يوم من الأيام.

اترك تعليقاً