
كان سير السحب، ومغيب الشمس، وكثرة النجوم، وظهور الشهب، ومشاهدة الوثائقيات، وحتى قضاء وقت في حديقة المنزل للتأمل في سلوك بعض الحيوانات، أحد وجوه الطبيعة ونوافذها للتأمل في مرحلة الطفولة، وكانت صرامة الأنظمة وتقلب الأمزجة والرغبات الاندفاعية بإلحاق العقاب حتى في ظل عدم وجود الدافع وانقطاع الأسباب أول ملامح العالم الخارجي ولغاته في أنظمة التربية والتعليم، وتلك أحد دوافع التأمل لفهم الإنسان.
وبين التأمل في الطبيعة للانسياق في دورة حياة طبيعية يكون فيها الإنسان طبيعيًا، وبين محاولة للتأمل لفهم الإنسان في محاولة لإيجاد الطبيعة التشاركية، قد يجد إنسان هذا الزمان أن محاولات الفهم قد تصبح عصية، فالمتغيرات التي تمر على الطبيعة البشرية كثيرة، والمؤثرات التي أصبحت تحكم وتغير الأمزجة والدوافع والقيم كذلك، فتكون محاولة الفهم لإيجاد طبيعة تشاركية هي في أصلها طبيعة متغيرة (أمر غير طبيعي).
وقد يكون الاستمرار في محاولة فهم الإنسان وإيجاد الخلل في تشوه تركيبة طبيعته وراءه دافع إنساني نبيل لتقديم الدعم والمساندة، أو دافعًا فضوليًا لإيجاد وسائل وسبل تعين على الانتفاع من وجوده بما يعود بالمنفعة ويخدم المصلحة، وقد يأخذ الإنسان صاحب الدافع الأول نفسه في رحلة للخروج من إطار الشخصية وقوالب الهوية، فينغمس بالتفكر والتأمل، فينمي إدراكًا ذاتيًا يتجاوز الحواس بسبب كثرة التعاطف أو التقمص العاطفي، فيرى الآخر من الداخل ويعرف عنه ما قد لا يعرفه ذلك الآخر عن نفسه، ويرى أيضًا ما يبثه في الخارج دون علمه.
وهذه الرؤية التي يصلها الإنسان هي ما يمكن تسميته حقيقةً بـ «لعنة الوعي»، وهي أيضًا ما يمكن توظيفه لرؤية الحقائق المصطنعة الآيلة للسقوط دون محاولة تجميلها، فذلك الإدراك الذي ينتهي بالإنسان للوصول إلى ما خلف الحواس ليس معنيًا برؤية الحاضر والانشغال بما يبثه شخوصه، بل برؤية التاريخ وأحداثه وشخصياته، وبحقيقة الحياة والرحمة في كون أن تجربتها قصيرة ونهايتها حتمية.
وكنت أود أن أختم هنا، ولكني رأيت أن أزيد على ذلك دون انشغال بربط الأفكار والتي لا أظنها مترابطة لدى البعض، وما أود قوله في النهاية…
قد يكون إدراك ما خلف الحواس شيئًا وُلد به الإنسان، أو شيئًا وصل إليه بسبب صدمات مرت به، أو شيئًا يتوهم امتلاكه، أو شيئًا يتطلع للوصول إليه لإنقاذ نفسه أو إنقاذ الآخر من اجترار ما جرى عليه من أمور فاقت مشيئته، ولكنه يظل يحمل احتمالات أن يكون عبئًا بصورة ما أكثر من كونه قد يحقق نفعًا.
حيث أن قراءة الأجواء دون قدرة على تغيير مسيرها أو إيجاد مناعة ضد مسارات سيرها، أو محاولة إنقاذ أو انتشال الآخر الذي لا يرى احتياجه لذلك قد تستنزف عاطفة الإنسان الرحيمة، أو قد تدفعها لمشاهد سلوكيات تبدر من الآخر، تكون سلوكيات لئيمة، وقد يكون في محاولته للوصول إلى ذلك الإدراك لفهم الذات وإخراجها من مأزقها دون شجاعة في النظر لحجم الأذى والضرر، وقبول لواقعية حجم الجهد الذي ينبغي بذله، أمرًا يستنزف وجوده ويغيب نفسه فيه، وقد يقوده ليكون منساقًا وراء أحلام يكون فيها أسيرًا لظلال الخرافات والأماني والأوهام.
