كان من ضمن الأمور الوقائية التي اضطررت للالتزام بها في الجانب الصحي عند الذهاب إلى المسجد في الأعوام الأخيرة ما قادني لحمل سجادة خاصة لتأدية الصلاة، وقد خصصت لذلك قطعتين من السجاد، إحداهما أضعها في المركبة، والأخرى قريبة من متناول اليد عند الحاجة إليها.

ومؤخرًا، في أحد الأيام التي احتجت فيها لتناول أقرب سجادة للصلاة والذهاب بها إلى المسجد، عند فرشها، وجدتها قد جُمّلت وزُخرفت بمعالم المسجد الأقصى، فحدثتني نفسي بأن لا أنسى الدعاء للأقصى وأهله، واحتفظت بتلك السجادة لعلها تعينني على أن يكون الدعاء للمسلمين عبادة وعادة.

وبعد أن أخذت أمد وأطوي في تلك السجادة التي استعرتها لأيام، جاءني خاطر… هل فقط فلسطين الوحيدة التي تحتاج للدعاء؟ ماذا عن اليمن… السودان… سوريا… لبنان…؟

ثم بدأت بعض المشاهد والصور تحضر من الذاكرة مما شهدته وتناقلته الأخبار من صناعة الازمات والكوارث والصراعات والحروب، فحضر مشهد لشيخ فلسطيني كان في وجهه سمات القبول والسماحة، قد بلغ ما يقارب منتصف العقد الثامن من العمر، في مقابلةٍ مُصورة أثناء بداية حرب السابع من أكتوبر، وهو يقف أمام منزله مُظهرًا شيئًا من الجلادة والتماسك أثناء تلك المقابلة، متحدثًا عن سنوات عُمرٍ أفناها يكد ويعمل لبناء ذلك المنزل الذي تساوى بالأرض، ولكنه يُقدمه اليوم فداءً للوطن…

تذكرت اختناقه بالعبرة… العبرة التي جاءت عند قوله… «فداءً للوطن». تآكلت نفسي قهرًا على قهره، الحرب فيها ما يقهر الإنسان أيًا كان حاملًا للسلاح، أو رافعًا راية السلام وداعيًا له، أو حتى ذلك الذي يود أن يقدم بإنسانيته ويشارك ما يعين على المساعدة من دعاء أو دعمٍ مالي.

ما الذي حل بذلك الشيخ بعد مضي هذه المدة؟ هل يأمل بالوطن؟ بالحياة؟ أم لا شيء قد يواسيه كمغادرة حياة لا يتوقف فيها الإنسان عن صناعة الكوارث والأزمات وافتعال الحروب؟

بعد ذلك وجدت أن ما حضر من الذاكرة كان مما طال أحد الأشخاص الذين كانوا من ضمن قائمة الأصدقاء المضافين لدي على منصة لينكد إن، حينما كان لدي حساب أتأمل فيه تفاعل وسلوك بعض البشر والكثير من الأخشاب.

كان صاحبنا من دولة فلسطين، وقد شارك سيرة حياته في منشور من منشوراته، وذكر فيه كيف كان تقدمه في الحياة بفضل الله ثم بفضل صدقه في كفاحه وجده واجتهاده، وقد ذكر ما مر به من محطات كانت فيها بركة الله قد أعانته على نجاحه وفلاحه، وبعد زواج مبارك وذرية صالحة وسكنٍ لأسرته وضع فيه كل ما لديه، وأصبح كل نهاية عام يأخذه الشوق للعودة للوطن والعودة للسكن، مدرجًا صور تلك الشقة التي استثمر فيها كل ما كان يمكنه أن يستثمره فيها لتكون ملاذًا آمنًا له ولأسرته.

شارك في ذلك المنشور صورًا لبناء وتأسيس وفرش وتأثيث تلك الشقة، ثم بعد ذلك صورًا لآثار ما كان قد بقي منها بفعل الحرب، ولم يكن قد بقي منها إلا ما يُخبر الرجال بمعالم العالم الذي يقهر الرجال… وما أشد أن يعمل الإنسان ليكفي نفسه الاحتياج، ثم تجده يضطر ليعلن عن احتياجه، متألمًا ألف مرة في مرتين، مرة من ضياع جهد، ومرة من ضعفٍ وجد أنه يحاصره ليس لوحده، بل ويحاصر من يحبهم ومُتكفلٌ بهم.

ثم حضرني مشهد أخير لتحرير بعض النساء من سجون النظام السابق لسوريا، وهن يخرجن على استحياء، وأيضًا بهدوء عجيب، ذلك الهدوء الذي يبدو وكأنه ناجم من انكسار نفوسٍ قد اعتادت العذاب، وتصالحت مع الفواجع ومع احتمالات أن لا تجد الراحة حتى بعد خروجها خارج قضبان ذلك السجن، لأن من العذاب ما جعل الاغتصاب والحمل والإنجاب مقدرًا في قصص حياتهن المؤلمة.

وكيف ينتهي الألم من حصار القضبان، وهن من يجدن أنفسهن متبوعات بأطفالٍ يتبعونهن كذكريات حية تذكرهن بما جرى عليهن من انتهاكات وبما عايشنه بالسجن من معاناة؟ كان ذلك المشهد في أواخر عام 2024، لشدة تأثيره، قد قادني إلى التوقف عن متابعة الأخبار، فتلك الفواجع لها وقع قد لا تطيق العلم به وتحمل رؤيته كل نفس.

ولأن تلك السجادة بدأت تثير تلك المشاعر والأفكار وتحرك الذكريات الخامدة في الذاكرة وتحث للعودة إلى متابعة الأخبار، فقد آثرت أن أعيدها إلى حيث تنتمي وأفارقها، ملتزمًا بالدعاء ومستمرًا عليه لبلادنا وبلاد المسلمين بالأمن والأمان والحفظ والرعاية والتطور والنماء.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © بدرائيليات | بدر المانع
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر المحتوى أو استخدامه دون إذن مسبق.