قبل ما يزيد عن عشرة أعوام، بينما كنت متعمقًا في قراءة كتاب في أحد مقاهي القهوة، فُتح باب المقهى بقوةٍ مفاجئة، لا دلائل على وجود إنسان يهم بالدخول. نظرت إلى الخارج: هل سرعة الرياح كانت الفاعل؟ لا يبدو الطقس طبيعيًا!

صوت احتكاكٍ غريب بالأرض، وكأن بضاعةً ثقيلة الحمل يتم دفعها، هممت بالعودة لإكمال ما كنت أقرأه، وإذا بالأيادي تمتد على الأرض، ورأس إنسان يبدأ بالدخول إلى المشهد، شاب يدفع نفسه زحفًا على الأرض…

أصابني شيء من الفزع، وخشيت أن يكون قد تعرض لحادث ولم يجد من يسعفه، وقبل أن أنهض لأقدم المساعدة كان مُعِدّ القهوة في المقهى يزجره ممازحًا بأن يترفق عند فتح الباب، ودار بينهما نقاش فيه من الشد والجذب ما جعلني أرتاح إلى كون أن الأمر ليس جديدًا إلا عليَّ، أنا ذلك المشاهد المندهش.

قام ذلك الشاب بطلب ما يريد، ثم توجه زاحفًا للجلوس في الخارج. كان المشهد بالنسبة لي يحمل شيئًا من الهيبة، هناك درس خفي تريد أن تمرره الحياة، ولكن عليَّ أن لا أحاول أن أستعجل ذلك الفهم؛ فالفهم مرحلة من مراحل النضج، ولا يمكنك أن تستعجل النضج.

في يوم غدٍ، تكرر المشهد، وبعد أن توجه الشاب إلى مكانه المعتاد في الخارج، كان هناك ما قد دعاني للنهوض. لم أكن أعرف إلى أين ينبغي أن تقودني خطواتي، ولكني وجدت نفسي أتوجه لمُعِدّ القهوة لأسأله إن كان بإمكاني أن أدفع مقابل ما قام الشاب بطلبه، فلم يمانع.

توجهت للشاب واستأذنته بأن يقبل مني ذلك، وكان كريمًا بالموافقة، ثم استأذنته بإجراء حديث قصير، فرحب بذلك. ووحده العالم بأن ذلك الحديث لم يكن دافعه الفضول بقدر ما كان رغبةً في رؤية ما يمكن ويُحتمل أن أكون قادرًا على تقديمه والمساعدة به، فوجدت في حديثه ما يطمئن بكونه يعيش حياته مستمتعًا بكل تفاصيلها، وبأنه اعتاد أن يأتي على دراجته النارية ذات الأربعة عجلات إلى هذا المقهى ليقضي بعض الوقت.

تمنيت له المزيد من المتعة، وسعدت بسماعي بكونه يعيش مستمتعًا. لم تكن الإعاقة بالنسبة له نهاية علاقته بالحياة، بل دفعته لإيجاد الحياة من خلال فن التعامل مع الإعاقات.

قبل عدة أعوام، حينما كنت أحاول أن أدفع نفسي للخروج مما يشبه الأزمة الوجودية التي لم يكن لمخلوق أن يستكشف ملامحها، فاخترت السفر لتجربة العيش لفترة خارج منطقة الراحة في أحد بلدان جنوب شرق آسيا، وقمت بربط ذلك بعدة أهداف، فلا بد للأزمة أن تنتهي بوجود أهداف والتزام وانغماس في شيء، ولا بد للحياة أن تستمر.

كنت بعد أن استقريت في اختيار السكن في أبراجٍ تلامس السحب ولا تناطحها، بدأ لي الأمر في بدايته مبشرًا، ولكن ما هي إلا أيام، وإذا بموسم الأمطار في تلك البلد يصبح بصورةٍ ما موسمًا للاكتئاب، وفي ليلة من الليالي شعرت بملامح الأزمة تعود.

إلا أنه ومن صباح الغد، حينما هممت بمغادرة مكان إقامتي للذهاب إلى حيث تقودني أقدامي بلا وجهة محددة، كانت أول حياة ألتقطها بعيني التي أجاهد أن لا يسكنها الموت هي حياة وجدتها في عين رجلٍ في منتصف العقد الثامن من العمر بتقديري، يسير مستندًا على عكازين في ممر السكن، ممارسًا بذلك شيئًا من الرياضة.

نظر إليَّ بابتسامة محبة ينبعث منها ترحيب حار لجارهم الجديد الذي يلتقيه للمرة الأولى. ألقى تحيةً لم يلتقط فهمي منها شيئًا، فقمت بمحاولة رد التحية بأحسن منها. زاد تبسمه ودفعني لأزيد في تبسمي، الأمر الذي لم يكن مخططًا لحدوثه.

كانت الحياة الثانية هي تلك التي رأيتها في عين زوجة ذلك الجار، والتي تقف من بعيد كشاهد على تفاعل زوجها، وكمحب لدفعه ليكون شغوفًا متصلًا بالحياة ومتفاعلًا مع المجتمع من حوله، رغم ما بدا لي من كون إعاقته نتيجة تعرضه لأزمة صحية خلفت وراءها نوعًا من عدم القدرة على النطق السليم.

حملت في داخلي له من الدعاء ما حملت، وتوجهت بعد ذلك للمصعد مبتسمًا ومتفائلًا بما شهدته من ملامح الحياة رغم الإعاقة. تبددت بعض ملامح الأزمة، هناك من كان يحاول أن يقول لي أن الحياة هي فن التعامل مع الإعاقات.

أثناء انتظار المصعد، التقيت جارًا آخر، ويا لذلك اليوم العجيب! لم أكن قبله قد شعرت بأن ذلك الطابق الذي أسكن فيه من البشر أحدًا، بل أنني ذهبت للتصالح مع كون ذلك الطابق يحمل لي اختبارًا لقوة إيماني، حيث لم أحس بأن هناك من البشر غير جارٍ مسيحي لم أقابله، إلا أن أنواع ما يُعلّق على باب شقته قد عرفني به وباحتمالات توجهه، وجارٍ بوذي أو هندوسي لم أعرفه إلا مما يضعه ويقوم بتبديله من تماثيل أمام مدخل شقته، وما تقوم به زوجته من تراتيل وإنشاد وقرعٍ للأجراس وتحريك لقطع الأثاث بعد أو قبل كل شروق وغروب وأيام محددة من كل شهر، وكما بدا لي أنها ممن يمارسون طقوس السحر.

ولم يكن غير ملاحظ الشعور بعبث وتطفل أنواع من سفهاء الجن والأرواح الهائمة العابثة، وذلك مما دعاني لعدم لوم نفسي على عودة ملامح الأزمة الوجودية، فأنا جارهم المسلم المضطر لرفع الأذان وقرأت سورة البقرة في المكان ليمر شيء من اليوم بأريحية وسلام.

إلا أن لقائي بذلك الجار الآخر، والذي كان يحمل إعاقة جسدية في قدمه لا إعاقة في نفسه، مبتسمًا طلق الوجه، مرحبًا بي كجار جديد، متمنيًا لي إقامة هانئة يقوى فيها إيماني ويعود فيها للحياة إنساني، لم يجعلني أؤمن بالمصادفة. إنها الحياة تقول بكل وضوح إنها فن التعامل مع الإعاقات.

بعد الخروج من المبنى والسير قليلًا، كان هناك بائع يرتدي من اللباس ما يشيع أن يرتديه المتدينون في تلك البلدان، يجلس على الرصيف مبتسمًا وإلى جانبه عكازه، يعرض ما لديه من سبح وشيئًا من التحف الصغيرة التي تمثل رموزًا لبعض ملامح التراث الإسلامي.

قام ليعرض لي ما لديه، ولم يعرض عليَّ سعرًا، فدفعت له ورددت عليه، وبادلته الابتسام مغادرًا. أنظر الأرض بينما أنا مبتسمٌ للسماء. لقد فهمت… الحياة فن التعامل مع الإعاقات.

تمضي الأيام وأعود، وتمضي الأيام بين مجيء وذهاب لملامح أزمة الوجود، وتعود الحياة لتذكرني بأن الحياة ليست إلا فنًا للتعامل مع الإعاقات، فقد صادفت في الأيام القليلة الماضية ذلك الشاب الذي قابلته منذُ سنوات، يقود دراجته النارية ذات الأربعة عجلات في أحد الشوارع، ومؤخرًا صادفت في النادي الرياضي شابًا آخر في صالة الحديد، فذكرني بما نسيته دون أن ينطق بأن الحياة فن التعامل مع الإعاقات.

وإلى هنا أنتهي، ولكن بودي أن تسترسل أيها القارئ الخامل عن التفاعل في محاولة معرفة نوع وشكل إعاقتك، وإن كنت تحملها أو تحملها بيئتك؟ … فوحدك من إذا صدق عرف، ووحدك من إذا عرف ونوى وفعل نجا من التحسر على مضي حياته.

الحياة فن التعامل مع الإعاقات، هذا ما ذكرتني به الحياة لهذا اليوم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *