اللغة الموجعة | تدوينات وتأملات


حينما نتكلم عن اللغة، فإننا نتكلم عن الكلمات،
وعندما نتكلم عن الكلمات، فإننا نرى الكلمات التي جاءت في الكتب المقدسة.

ولا شك أن في تلك الكتب من الكلمات ما يُوجِع، يَصف، يُوضِّح، يُحذِّر، يُرغِّب، يُرهِب، يُبشِّر، ويتوعَّد…
بغرض الهداية إلى الصراط، والنزول إلى منازل الحمد الذي يهذب الإنسان ليوصله إلى الحب ويجعله ينطق به.

وفي الكتب المقدسة أيضًا، ما يُحقِّر، ويَكشف، ويُعرِّي!

وفي كل ذلك محبة خفية، وحكمة إلهية،
تعين الإنسان على الاستبصار بالحدود والاحتمالات التي يمكن أن تصل إليها نفسه:
في قمة الانحطاط والفجور، وفي قمة التسامي والتقوى…

مما يساعده على إيجاد سبيل يقوده نحو الاتزان،
وأن يُحقِّق ما جاء ليكونه وقد جاء ليكون الخليفة الحقيقي…
ليكون الإنسان.

وخارج الكتب المقدسة، نجد الكلمات أيضًا تأتي من البشر:

شيءٌ منها يُترجم عواطفهم،
شيءٌ منها يحكي تجاربهم،
شيءٌ منها يستجدي عواطفهم،
شيءٌ منها يُحرِّك غرائزهم،
شيءٌ منها يُوقظ إنسانيتهم…

بلغةٍ يفهمونها، وقد يُحبونها أو يكرهونها.

وحينما تتحول الكلمات إلى أسلحة،
ويذهب الإنسان للتعامل معها من ذلك المنطلق،
فإنها تُخبرنا عن الكثير مما تُخفيه تجربة الإنسان:
معتقداته، ظنونه، عواطفه، ومستوى ما وصل إليه من وعي.

لكن…

اللغة ليست سلاحًا يستخدمه إنسان واعٍ بقيمته،
ويعي عبث حروب الكلمات التي غالبًا ما يكون فيها الإنسان مطيَّةً لكبريائه.

لكن هذا الإنسان الواعي، يرفض أيضًا التنازل عن استخدام اللغة
كوسيلة لتعرية من قرر خوض الحروب معه.

فهل في ذلك رغبة في الانتقام منه؟!

إذا كانت إجابتك: “نعم”…
فأنت أحمق
فأنت أبله
فأنت أحد الأوغاد الذين قد يذكرهم التاريخ… أو لا يذكرهم!

إن من تُهاجمه بكلماتك، ثم تجده لا يُهاجم بالمثل،
بل يُوضِّح لك الصورة، ويضع أمامك المرآة التي تساعدك على رؤية نفسك من خلالها…

فهو لا يريد أن يكون معلمك،
ولا يريد أن يتفوق في ساحتك،
لكنه يرغب أن يقول لك أشياء كثيرة، منها:

أيها الأحمق… هل نسيت وكفرت بلغة الحب واخترت لغة الصراع والحرب؟
أيها الأحمق… هل تبيع جمال لغة روحك مقابل انتصار لفكر وظنون عقل نائم، أو نشوة لحم ودم؟!
أيها الأحمق… هل تنسى أنك في ملكوت رب محب رحيم، يسمع ما تقول ويرى ما تكتب؟!
أيها الأحمق… هل نسيت أن ليس في لغة أهل الجنة وأقوالهم ما يشبه لغة الهجوم والحرب؟
وأن لغتهم، وأقوالهم، في محيط السلام والحمد والحب؟

اللغة الموجعة…

إن هزَّت كبرياءك، فهذا لأنه كان يمتطيك.
إن هزَّت نفسك، فهذا لأنها مليئة بالمعارف والتجارب المشوَّهة.
إن هزَّت روحك، فهذا لأنها تريدك أن تتدارك الأمر
وتعود لاستخدام لغات السلام والحمد والحب،
لا لغات الانتقام والصراعات والحرب.

اللغة الموجعة…
قد تكون هدية نادرة.
فهل تكون الإنسان النادر …
الذي تعرف على شكل من أشكال الحب
واختار أن يتقبل تلك اللغة بـ حب؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *