
عندما تصفحت دفتر الملاحظات الصغير الذي أضع فيه بعض العناوين ورؤوس الأقلام لأفكار وأشعار لا يسعني الوقت للانغماس بها في وقت واحد تفكرًا وتدبرًا وكتابةً، وجدت أن كثيرًا من تلك العناوين ورؤوس الأقلام أصبحت خارج مرمى النظر أو القدرة على الاصطياد من جديد، وكأنها كانت مجرد أسماك عرفت أني أحمل الطُعم ولكنه لا يكفي الجميع فغادرت، أو طيورًا حامت حولي فظننتها قريبةً باقية ولكنها كانت مهاجرة، أو نجومٍ لمعت حينما كانت النفس مطمئنة راضية، والبصيرة يقظة، والسماء صافية.
وهذا يحدث للكثير، وكثيرًا ما قرأت لبعض من يهتمون ويهوون ممارسة شيء من الفنون والكتابة عن مرورهم بمثل هذه الحالة من الانقطاع وعدم القدرة على ممارسة ما يحملون تجاهه شيئًا من الحب والشغف، وما يمرون به من شعور بالانطفاء نتيجة ذلك.
ولكني أجد المواساة في بعض الصدق مع النفس، فالتسويف قد يكون عاملًا مُسهمًا في ذلك الانقطاع، ولكن العامل الذي قد يُنكر البعض دوره فيه برأيي هو الابتلاع.
وما أقصده بالابتلاع هو ما يحدث نتيجة محاولة الإنسان ضبط كل شيء ليكون إخراجه منتهيًا بإخراجٍ مثالي، وإن لم يتحقق ذلك فيتجه لابتلاع كل ما يحتمل أن يكون فيه شيء من الجمال العفوي، تاركًا إياه عالقًا أو دفينًا في أعماقه.
ولو تأمل الإنسان في كم النصوص التي كتبها ثم مزقها، واللوحات التي رسمها ثم أتلفها، والصور التي التقطها، والقصائد التي سجلها، والأغاني التي صنعها ثم حذفها، لأدرك أن تأثره بالمثالية أو خشيته من صورة ذهنية يتم تصنيفه فيها على كونه حالمًا ثائرًا مناصرًا لأحلام البراءة والعفوية قد غلبه، وجعله يقدم ابتلاعه ضريبةً عبثية لانقطاعه عن إبداعه، زاهدًا بالاحتمالات التي قد يقودها إليه ممارسته للهوايات الإبداعية التي تفتح له المجال ليكون لديه رحلته وتجربته الخاصة وما يحتمل أن تسير عليه وتثري به وتنتهي إليه.
وما أسوأ أن يكون ذلك الابتلاع ناجمًا عن محاولة حمايةً لصورة مثالية أو لحدود وخصوصية من فضول ما لا يدفعهم سوى الفضول، أو خشيةً من أولئك الذين يشعرون بواجبية أن يشاركهم ذات مصفوفة القيم التي تطمئنهم بأن وجودهم لا يُحتمل أن ينتهي بالشعور بالضياع أو الانطفاء والذبول.
وقد حضر من الذاكرة ما يمكن أن يكون تسلسلًا للفكرة التي أتحدث عنها أو قفزًا منها لفكرة أخرى، ولعل القارئ يستطيع أن يربط الأمور ببعضها إلى حين أن يكون ذلك حاضرًا فيما أكتبه.
أذكر أنه في مقطعٍ من مقابلة تلفزيونية مرت بي منذ أعوام لفنان عربي، كانت فيه مقدمة البرنامج قد سألته فيما معناه: «أنه من بين العدد الكبير من الأعمال التي قدمها وشارك فيها خلال مسيرته، كم قد يكون عدد الأعمال التي يعتز بها؟»، فذكر فيما معناه: «أن ما كان سعيدًا بتقديمه والمشاركة به قد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ولكنه قدم أعمالًا وشارك في أخرى لأن هذا ما يبقيه حاضرًا قادرًا على العمل والعيش».
وبعد الحديث عن الانقطاع وعن احتمالية إسهام الإنسان في الوصول إليه من خلال الابتلاع، أرجو أن أكون استطعت أن أضع نفسي قبل الجميع أمام مرآة الحقيقة التي ترينا دورنا وإسهامنا في انقطاع الشغف، والتي تهدينا للإجابة على سؤال:
هل تفقدنا الحياة ما يدعو للشغف تجاهها، أم أن انقطاعنا الذي يأتي نتيجة ابتلاعنا لما نحن شغوفين به هو ما يقطع عنا مسارات واحتمالات كان من الممكن أن تجعلنا على إيقاع الشغف الذي يقودنا للمشاركة والتبادل مع الحياة في العطاء والإحياء والإثراء؟

اترك تعليقاً