للمزاج تقلباته بين انبساط وانقباض والإنسان في محاولة ضبط إنسانيته قد يجد ويجاهد ليحمل مسؤوليته تجاه مزاجه باحتواء تلك التقلبات من خلال البحث فيما يساهم في هدايته للارتياح والسلام وبلوغ الاتزان من أفعال وممارسات وتبنيها، ومن عجيب ما يؤثر في المزاج دون سعي من الإنسان تلك الروائح العطرة التي تبعثها الطبيعة قبل وبعد هطول الأمطار … بسبب تلك البكتيريا الكامنة في التربة وما تبثه من رائحة وما يصنعه تأثيرها في مزاج الإنسان من شعور بالارتياح والتوسع والإنشراح وكأن شيئًا من روح الطبيعة يحاول أن يسهم في إعادة بعث الطبيعة في نفسه ليشعره بشيء من التخفف والتحرر والتزامن مع إيقاع الجمال ولو لبضع لحظات أو ساعات أو أيام

وليست الأمطار والروائح المنبعثة بأسبابها هي الوحيدة التي تؤثر على المزاج من سحر الطبيعة فمن سحرها أيضًا ما يجعل في اشتعال النار واحتراق بعض جذوع وأغصان الأشجار وانبعاث روائحها أمرًا باعثًا على الانتشاء ومحركًا ودافعًا لإحياء وبعث الإلهام، وقد يكون الإنسان الذي يخرج للاحتطاب رغم عدم احتياجه للتدفئة بواسطة الحطب ليس إلا إنسانًا يتوق لروح الطبيعة وما تغمره به وتعيد بعثه فيه من إحياء للحياة فيه

وللإنسان ونفسه روح ورائحة كما للطبيعة، وقد تستشعر وتجد شيئًا من ذلك في كلماته وأعماله وأفعاله وذوقه، ومن إدراكه العميق المنسي بالروح والرائحة ما تجده في بعض النادر من التحايا في القول التي قد يسمعها الإنسان نادرًا في تجربة وجوده في مثل ” هلا بريحة أهلي ” عندما يخالط من يألفهم ويألفونه فيجد فيهم نفسًا سمحه وروحًا طيبة، وليس لكل النفوس نصيب من الروح ومن ذلك ما قد نجد له ذكر في الأمثال الشعبية، فلدى أهل نجد في ذم أو وصف بعض النفوس وإعطاء ملامحٍ لذلك من خلال إلحاق الرائحة به ” نفسِ شينه وجلدٍ مروح ” وأظن أن في ذلك المثل وصفًا لنفس ذات أفعال سيئة له من الرائحة ما يشبه جثث الأموات المتعفنة حيث لا تصب أفعالها خارج نطاق ما يخدم ويشبع احتياجات غرائزها ويغذي كبرياءها وأنانيتها.

ولعلي أختم بهذه الأبيات المتواضعة التي جاءت قبل مجيء تدوينة اليوم بأعوام وكان مُحركها وباعثها ما جاء بفعل الروائح والأرواح … وخلافه

بين ريحة عطره وريح السمر
ونسمة براد بدايات الشتاء

وخطواته الي تترجم وتختصر
كل المعالم لجمال الصبا

مر بي وكأنه ينادي يا بدر
تماكن العمر لا يرحل سُدى

فاتنه أحيان رسالات القدر
ما هي دايم عذابات وشقاء


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © بدرائيليات | بدر المانع
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر المحتوى أو استخدامه دون إذن مسبق.