منذ قدم التاريخ كان ولا يزال الإنسان لديه القابلية للانسياق نحو ما يدفعه إليه فضوله من بحث في الغيب وملامح الحقيقة، للإمساك بحقائق متغيرة في أصلها وطبيعتها، راجيًا أن يمتلك قدرة تُمكنه من أن يكون متيقنًا بأنه قد امتلك البصيرة الكافية التي تقشع عما يراه ضبابية المجهول، وتمتد لترى جُل احتمالات المستقبل أو صور ونوايا الآخر ومنتهى امتداده.

وبين فضول ينساق إليه ويتبناه الإنسان لتطوير فراسة، وفضول لتطوير عرافة وعلم بالخرافة، يمكننا قراءة الخرائط النفسية لأولئك الذين يرون أنهم يسعون لبلوغ منتهى المعرفة، لتقديم أنفسهم في قوالب الرُقي والنبل أو الحب والنقاء وبعث التفاؤل والأمل على أساس يظهر بأنه لم تتشكل دافعيته أو يختلط في أساسته بما يثير النفس من توجس وشكوك و وجل

وقد نجد بأن النفوس التي دفعها فضولها إلى سلوك مثل تلك المسارات المعرفية قد تتجه للالتزام والاجتهاد للظهور بمظهر النبل وخدمته، وفي ذات الوقت تتقن فن صناعة المكائد وتمرير السموم بمثالية عالية، وتقديمها بلغة فاخرة عندما يدفعها وجلها إلى حماية عدم يقينها.

كما نجد النفوس التي دفعها فضولها للاجتهاد لمحاولة بلوغ الحب والنقاء الذي يصلها بالبصيرة ويفتح لها أبواب المعارف الباطنية قد تذهب ساعيةً لبناء علاقة ألفة ومحبة مع المجهول، ولكنها قد تعود لتتحداه بعد أن تجد أن تلك المحبة ليست تفاعلية أو تبادلية بحسب ما تراه سيرًا منطقيًا وفعلًا حقيقيًا يمثل الحب ولغاته ووجوبية عطاءاته ومكافئاته.

فالمجهول لا يكشف عن نفسه للباحث عن اليقين المعرفي بقدر ما يكشف عن نفسه لذلك الباحث عما يهديه إلى نفسه لتسير على صراط مستقيم مسلمةً بمرجعيتها وعبوديتها لربها،أما تلك النفس الساعية لبلوغ المعرفة اليقينية، المتطلعة لبلوغ منزلة نخبوية، فقد تعود ساخطةً، حاملةً لشيطان خامدٍ يسكنها، وقد تسعى لتمكّنه من أدوات تمرير الأذية وممارسة الأفعال والأعمال الشيطانية، وقد لا تتردد باللجوء إلى تلك الأعمال حينما تجد من يكون في وجوده ما يهدد صورتها أو يمثل تجاوزًا فاجرًا على كبريائها وعظمتها. فيكون ما انتهت إليه الاجتهادات ضياعًا في ظلمات وغرقًا في شرور وصراعات.

وقد يكون الفضول الذي ينتهي بالنفس لبلوغ نبل حقيقي ونقاءٍ ينير البصر ويفتح البصيرة، هو ما يكون قائمًا على أساس معرفي بمكنونات النفس وظلال رغباتها الخفية من التطلع للتسيد إلى حد الطغيان والهيمنة. فيكون الإنسان عارفًا بحقيقة ما يحرك النفس من دوافع وما يتلاطم داخلها من رغبات وتطلعات، متهيئًا للجم ما قد يرى تطاوله منها، سيدًا متسيدًا عليها.

وفي الختام، لو تأمل الإنسان في الخريطة النفسية للنفس الإنسانية من خلال ما جاء من ذكر لمعالمها وملامحها في القرآن الكريم، لاختصر على نفسه سيرًا طويلًا وسعيًا كثيرًا، وتوجه لبلوغ ما يستحق أن يسعى لبلوغه، ولكن الفضول وما قد يدفع به من رغبات جزء من تجربة الإنسان، وقد يكون جزءًا من شقائه الدائم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © بدرائيليات | بدر المانع
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر المحتوى أو استخدامه دون إذن مسبق.