أيام الترفيه | تدوينات وتأملات

🎧 استمع أثناء القراءة

كان للمتعة وللترفيه سُبلها التي انطوت بتسارع الأعوام، وقد وجدت في الأيام القليلة الماضية، بعد تلقي رسالة من إحدى منصات الترفيه تفيد بخصم قيمة الاشتراك، والذي مر عليه عدة أشهر دون انتفاع حقيقي منه، أمرٌ دعاني لإعادة النظر في شريط الذكريات لاقتصاص أثر طريق المتعة الذي كان يحمل التجربة الأجمل مما هي عليه في الوقت الحالي، فوجدت أنه قد كان هناك ما هو أجمل من الاشتراك في منصات الترفيه أو الذهاب للسينما.

حينما كانت مكتبة تأجير الأفلام إحدى محطات عطلة نهاية الأسبوع، وكان بناء علاقة مع العاملين فيها يقوم على الثقة والألفة وإعادة الأفلام المؤجرة قبل موعدها النهائي، ليكون من أحد منافع ذلك تقديم أفضل التوصيات والحصول على أسعار مخفضة.

إلى جانب مصادفة بعض الغرباء في المكتبة ومشاركة التوصيات فيما يستحق المشاهدة، ثم المرور بأحد المطاعم المفضلة أو الطلب الهاتفي منها والتوجه لاستلامه، والعودة للمنزل، ثم رش عطر أو إشعال عود بخور وضبط إضاءة المكان؛ طقس متكامل لبناء المتعة، حيث كانت المتعة عملية يتم التهيئة لها قبل الدخول فيها.

وكان مما يجعل للمتعة امتداد أن ترى ابتسامة العامل في مكتبة تأجير الأفلام، والتي فيها ما يشبه ملامح أثر دعوة خفية بأن تستمتع بالمشاهدة، وترى ابتسامة الغريب الذي يُقدم لك توصية لتشاركه متعة سبقك إليها وأحب أن تمر عليها لتحظى بها، وترى ابتسامة «المعلم» في المطعم المفضل وهو سعيد بأنك لا تزال العميل الذي يحمل الولاء والوفاء.

كانت هناك سلسلة من الأحداث التي قد لا تكون مُلاحظة، ولكنها مؤثرة في الوصول إلى حالة يمكن من خلالها الوصول إلى حالة الانغماس في المتعة التي تأتي من الترفيه.

إضافة إلى ذلك، كان جودة ما يتم إنتاجه في سنوات سابقة أفضل مما قد يكون الأمر عليه اليوم، أو قد يكون أن الذائقة الفنية في تلك الأعوام لم تتطور وتصبح أكثر تعقيدًا، فتلاحظ وتقارن وتقيم جودة ما يُطرح اليوم.

أيام انطوت سريعًا، وسبل ومعايير تغيرت، ولكن المتعة تظل هي المتنفس والدافع الذي يجعل الإنسان قابلًا للانفتاح على الحياة شغوفًا بها ومُتخففًا من كثافة وثقل واقعيتها الجادة.

أيضًا مما دعاني للكتابة عن «أيام الترفيه» أنني كنت خلال الأسبوع الماضي قد زرت السينما لمشاهدة فيلم «الأوديسة»، معولًا على الثقة التي أحملها في الممثل مات ديمون حول امتلاكه المهارات الكفيلة لأن أخرج بانطباع جيد ومشاهدة فيلم مؤثر وممتع، حيث أراه من أفضل الممثلين في الساحة.

وعلى الرغم من أن في الفيلم ملامح واحتمالات لبلوغ العظمة، سعى فيها الممثل لبلوغ الحدود المرسومة له ليقوم بتأدية دوره بأفضل أداء، إلا أنني رأيت أن في إخراج الفيلم شيء من الهزالة واعتمادًا على أن يكون التأثير فيه قادمًا من المؤثرات الصوتية الصاخبة والمزعجة، لا من خلال صناعة أحداث وحوارات وانفعالات تلامس المشاهد وتؤثر فيه.

وعلى الرغم من أنني غفوت قليلًا أثناء الفيلم، ولم يسعني التقاط كل شيء، إلا أنني استيقظت على صوت انفعال الفنانة الجميلة آن هاثاواي ، التي أرى فيها ملامح لتقاطع عالم الإنسان بعالم الفراشات، والتي تؤدي دور بينيلوبي

ومما رأيت في الفيلم أن من قاموا باختيار طاقم الممثلين والشخصيات لم يوفقوا بالحرص على اختيار الملامح التي تخلق شيئًا من الأثر المُحرك لمشاعر المشاهد، فاختيار الممثل الذي يتقرب ويتودد إلى بينيلوبي محاولًا إغواءها لتسقط عبء حملها الوفاء لزوجها أوديسيوس ، مقدمًا نفسه للزواج بها، في تقديري أن في ملامحه ما هو أقرب لملامح الأنوثة منه إلى ملامح الذكورة، وفي ذلك إضاعة لفرصة إثارة مشاعر المشاهدين من الرجال وتحريك شيء من شعور الحمية والغيرة لديهم لصالح البطل أوديسيوس، وهذه من الأشياء التي قد تكون أضاعت شيء من التأثير المشاعري الممكن حدوثه لدى المشاهد

وعلى العموم، يظل للسينما تاريخ مؤثر في الثقافة والذوق العام، حتى في حال كنا حديثي عهد بحضورها، إلا أنه في الوقت المتأخر قد ينحصر تأثير الأعمال السينمائية فيما يتعلق بالأزياء والديكور والمؤثرات الصوتية، إلى أن يأتي أو يعود زمان تكون فيه كتابة الأعمال متقنة، واختيار الشخصيات المؤدية لتلك الأعمال مبنيًا على ما يحقق الأثر الجميل لدى المشاهد، لا ما يحقق المنفعة المادية لشركات الإنتاج.

أما فيما يتعلق بأوجه الترفيه اليوم فقد تكون الشركات المنتجة لألعاب الفيديو هي الأكثر حرصًا وانتقائية وجدية في تقديم منتجاتها من ألعاب مبنية على قصص وأحداث وألغاز تفاعلية مدروسة تترك الأثر والتأثير الممتع والجميل الذي يكون فيه اللاعب يعايش الأحداث والقصص مستمتعًا بهندسة وإخراج غالب ما يمكن أن يحقق له المتعة ويحقق للشركة الحصول على ثقته بمنتجاتها المستقبلية، على عكس ما يُقدم من خلال الأعمال السينمائية اليوم الذي يغلب عليه شيء من التركيز على المصلحة لتحقيق العاجل من المنفعة.

وبعد هذا الحديث عن الترفيه وبعض أيامه وأشكاله أود أن أصل إلى الخاتمة، وفيها أقول أنه قد لا يستشعر ولا يستلذ الإنسان بشيء من الترفيه ولا يستذكر أيامه بدون شيء من رفاهية الصحة والعافية والأمن والأمان والنعم التي نسأل الله أن يديمها علينا وعلى الجميع ويبارك لنا فيها ويزيدنا من فضله ويوفقنا إلى حمدها وشكرها، اللهم آمين

استمتعت بكتابة التدوينة، وأرجو أنه قد كان فيها ما يُمتع.

شاركونا ما لديكم، ودمتم.

والسلام عليكم


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *