
«وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا» الخير والشر | تدوينات وتأملات
في عالم الفن والفنانين، قد لا نجد فنانًا يذهب إلى جعل أحد الألوان في لوحته يطغى على الآخر، فيأخذ كل مساحات اللوحة؛ فذلك قد ينتهي إلى أن تكون اللوحة بلونٍ واحد، أو تكون لوحةً عشوائية مشوّهة.
وحياة الإنسان هي لوحته، وتجاربُه هي ألوانه، والناس من حوله إمّا محبّون داعمون، أو متفرّجون فضوليون، أو شياطين حاسدون. وهذه من الحقائق التي قد يتجاهل الآباء والأمهات الحديث عنها وتعليم الأبناء حقيقتها، على الرغم من وجودها في قصص القرآن بأشكالٍ وصورٍ متعددة. وقد يكون ذلك التجاهل محاولةً منهم لعدم زعزعة ثقة أبنائهم بالعالم، أو التشكيك بعدل خالقهم وحمايته، مما يجعلهم يكبرون على نقائهم، لا يعرفون عن الشر شيئًا، فيعيقهم ذلك عن دفعه.
غير أن الحياة لا تسير بالإنسان على ذلك النحو النقي الذي لا شر فيه. ومما يُروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سمع ناسًا يتحدثون عن رجلٍ لا يعرف من الشر شيئًا، فقال، فيما معناه: «إن كان كذلك، فهو الأقرب للوقوع فيه»، أي أن يكون هو ضحيةً للشر الذي يجهله، والذي قد يخفى عليه.
والمعنى نفسه حاضرٌ في التراث الإسلامي، كما قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني».
والحسد من الشرور وإلهامات الفجور التي ألهم الله بها كل نفس، وجعل في ذلك اختبارًا لها لما سوف تختار أن يكون عليه إيقاع أثر امتدادها وتأثيرها في الحياة، لتجد نتائج ما آل إليه اختيارها من فلاح أو خيبة.
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾
وكلنا من الناس وبين الناس نجاهد أنفسنا لاختيار التقوى وتزكية النفس، لعل في ذلك بلوغًا للفلاح الذي وعد الله به، والإنسان الذي راح يجتهد في تربية أبنائه على الاحترام والتواضع، وأسرف في ذلك، قد يكون دون أن يعلم يقيّدهم في حدودٍ يراها آمنةً لهم، فيحاول، من محبته، أن يجعلهم قاصري النظر عن حقيقة الواقع، وما يجب الحذر منه أو التعامل معه والابتعاد عنه، متجاهلًا أنهم سيسيرون في الحياة بين طوفان من الناس، كُلٌّ منهم ملهم بالفجور والشرور وملهم بالخير والتقوى، وليس في شر كل إنسان شر سيشمل به كل إنسان، كما ليس في خيره خير سيطال الجميع.
ومن أوجه التحصين المجرّبة من الحسد والشرور وانتكاس الأمور، بعد قراءة القرآن، والأذكار، والاجتهاد بالصدقة والإحسان، «فداء النفس» بما يقدر عليه الإنسان من ذبحٍ وإطعامٍ للفقراء والمساكين. وذلك الأخير قد لا يتحدث عنه الكثير، إلا أن منهم من وجد فيه نفعًا وفتحًا عظيمًا، وانشراحًا في الصدور، وتيسيرًا في الأمور، ومددًا معينًا في الصبر على الابتلاءات وتكالب أحداث الحياة.
وهو مما قد يغفل الإنسان المقتدر عن القيام به أو توجيه أبنائه إليه وحثهم عليه، بنية إظهار الشكر لله على النعم القائمة والماضية والقادمة، وتوكيل الأمر إليه سبحانه لتدبير أمر نجاته من فتن الزمان وإلهام الفجور الذي ألهم به كل إنسان.
وما يختم به القول، أن الحرص على نقاء الفطرة لا يحمي المرء من الوقوع في الغفلة، التي قد تقعده طويلًا في حيرته محاولًا تفسير أحداث الحياة المضطربة، والإنسان يعي ويذكّر نفسه بذلك لا ليكون سوداويًا، أو لينفر ممن حوله، فيكبر كارهًا لمحيطه ومجتمعه، منعزلًا عنه، بل ليتصالح ويتعايش مع معرفته، مطمئنًا إلى كونه متكلًا على ربّه، يعيش الحياة عاملًا بالأسباب، محسنًا لنفسه في ذلك، متعرفًا على ملامح الروح فيه وملامح الأرواح التي يمكن له أن يألفها، كي لا يوقع نفسه في انجذاب يقوده نحو تجارب تنتهي به إلى تشوهات معرفية، وعلاقات تنتهي بتراشق لتشوهات نفسية.
وما من جهلٍ بالشر يؤدي للوقوع فيه أو التعرض لمضرة منه إلا ويورث في النفس الغضب، والإنسان حينما يعيش غاضبًا يبدأ الوهم بالتسلل إليه، فيشيطن جميع من حوله، ظانًّا السوء فيهم، وليس عند ذلك قد تنتهي الأمور؛ فحينما يفهم ويعي بالشر متأخرًا فقد يصبح كل ما كان يكبته من غضب موجهًا لربّه، ومحيطه ومجتمعه، فيكون الأقرب ليصبح ذلك الشرير الفاجر بذاته، أما مشاعره فتصبح معاقة، لا يمكن لها أن تمتد خارج حدود ذلك الشعور الذي تمكّن منه.
عسى الله أن يهدينا وإياكم دائمًا إلى الخير ويوفقنا إليه.

اترك تعليقاً