كنت بين فترة وأخرى أدخل إلى المساحات التي تُقام في منصة إكس، مستمعًا لما يُطرح ومستمتعًا أحيانًا، وقد وجدت في متابعتي للدكتور صالح الخلف دعوة غير معلنة للاستماع والاستفادة من تلك المساحات التي يشارك فيها الدكتور، وقد كانت تلك الدعوة تأتي من خلال ما ترسله المنصة من إشعارات حول آخر التحديثات والمشاركات للأشخاص الذين أتابعهم.

وليس لدي قدرة على حصر منافع ما يشاركه الدكتور من علم ومعرفة وتنوير، ليس في مجاله فقط كمتخصص في علم النفس، بل أيضًا كمفكر وأديب وشاعر وفنانٍ متذوق للفن والجمال كما أراه.

وكمستمع ومستمتع بمداخلات الدكتور، فإني أجد في كلماته ما له وقع يدفع ويحث على المقاربة بين الجمال والإنسان، ليكون هناك امتزاج ينتهي بنا لرؤية تجلي الجمال في الإنسان؛ فلسفةً وفكرًا، عاطفةً ومنطقًا، نيةً وفعلًا، ذوقًا وأثرًا وتأثيرًا.

وكان في إحدى المساحات التي لم أوفق للاستماع إلا للحظات الأخيرة منها حديثٌ حول الغموض واحتياجات الإنسان له وموقفه منه، وما إلى ذلك من وجهات نظر وتساؤلات واستفسارات ومشاركات، وقد بدا لي أن في الأمر ما يستحق الاستمتاع بالكتابة حوله حينما تهدأ تقلبات المزاج وتبدأ الأفكار بالتدفق والسريان.

الغموض، برؤيتي له وتصوري عنه، حالة طبيعية لازمة قد يلجأ إليها الإنسان بين مراحل حياته الانتقالية، وموت هوية وشخصية وولادة أخرى، وقد ينتهي إليه حينما تحاصره تقلبات الواقعية ويجد نفسه في واقع تتكالب عليه بعض الأمعات والشخصيات المريضة النرجسية الطفيلية التي لا ترى في وضوحه وانكشافه سوى ثغرة تتيح لها استراق بعض محاسنه وصفاته، وقد يكون ذلك لمحاربته بها وهدمه أو استنزافه بعد ذلك.

فقد يكون الغموض احتياجًا في أحوال، وقد يكون ضرورةً في أحوال أخرى.

وقد يكون محاولة تغطية خواء داخلي، ونظرًا للوجود من منظور عدمي، وضياعًا للخارطة، وعدم ثقة بالمسار وبما يُحتمل أن ينتهي إليه الإنسان في هذه الدار، وقد يكون محاولة لكسب شيء من الكاريزما والجاذبية لأهداف إغوائية وغيره …

إلا أن الإنسان بطبيعته، بتصوري، ليس غامضًا ولم يُخلق ليكون كذلك، وذلك ما يُخبرنا به الأطفال الذين لم يفقدوا بعد اتصالهم بالجانب الفطري من إنسانيتهم.

كما أن التعارف بين الأرواح واحتمالات التألف والتنافر لا يمكن أن يتم في ظل أجواء غامضة أو مع شخصيات متحفظة، قد يضطرك التعامل معها للشعور بوجوب الحذر من احتمالات كونها تخفي أجندتها الخفية للتحايل أو الأذية.

إلا أن فهمنا للوضوح أيضًا قد يكون بريئًا ساذجًا، مفهومًا على غير ما ينبغي أن يُفهم، فنفسر الغموض تفسيرًا سوداويًا بناءً على فهمنا القاصر للوضوح.

وعلى ذكر الوضوح، هل جربت الجلوس في مجلس تُشارك فيه الأحاديث العامة، والتي يغلب في طبيعتها الغيبة والنميمة أو الهمز واللمز، ورأيت من يتسيد ذلك المجلس بتلك الأحاديث التي فيها من الوضاعة الواضحة الذميمة ما فيها، يتم النظر إلى كونه إنسانًا واضحًا طيب القلب، وما يحمله قلبه يُلقي به لسانه؟

وهل فكرت في احتمالية الأحكام والنظر إلى تحفظك عن الحديث في مثل تلك المجالس؟ وكيف سيتم النظر إلى كونك مليء بالغموض والسواد إن حاولت تحديث أو إعادة تعريف الوضوح والنقاء والغموض الذي ارتاح له الكثير وأجمع واتفق عليه، بينما هو في حقيقته ليس إلا سوادًا يبعث في نقاء الإنسانية ثقلًا وسوادًا؟

ولا أود أن أستطرد أكثر في الكتابة حول الموضوع، حيث إن الأفكار بدأت تقفز وتغري للإطالة في صيدها، والصياد يحمل سنارة واحدة، ولديه حياة يحاول بوضوح أن يكافح نتائج التسويف الحاصل فيها.

ولعلي في هذه الفقرة الأخيرة أذكر أن الوضوح، برأيي، باب من أبواب الفضيلة إذا كان الإنسان يعرف أنه في بيئة محبة، وبين شخصيات يغلب عليها المحبة، تألف وتُؤلف، وتنظر بعين المُحب لا بعين المحاسب المحاكم المتشدد.

وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم في غاية الجمال في وضوحه والتعبير عن ذاته في بيته وبين أصحابه، إلا أننا بشر نتواجد في زمن طبيعته التسارع والتقلبات، ويغلب على نفوس الناس فيه المقارنات، وقد يكون في ذلك ما يثير الندية أو التحاسد والعداوات.

ولذا يكون في الغموض، في بعض الأحيان، ما قد يكون نوعًا من الإحسان للآخر، إذا نجح الإنسان في جعله طبيعة من طبائع الوقار، لا الإغواء أو التعالي أو الاحتقار.

فإن كنت تعرف أن إقبال فلان عليك، والذي لا تتشابه مصفوفة قيمكم أو توجهاتكم في الحياة، ليس إلا إقبال إنسان فضولي؛ إن وجد ما يعجبه فيك، فقد يقدرك، وإن لم يجد ذلك، فسَينصب محكمته ليحاكمك ويجعل الآخرين كذلك، فمن حقك أن تحتفظ بشيء من المساحة والغموض، تجنبًا لاحتمالات بناء معارف وعلاقات لا تقوم إلا على فضول معرفي قد ينتهي بصراع مأساوي مخلفًا مشاعر عبثية تجتر فيها النفس الضغائن والكراهية.

ولو وجه الإنسان فضوله لما يخفيه غموض القدر لا لما يخفيه غموض البشر، وراح لاستكشافه واستكشاف نفسه بعد كل طريق وتجربة، لعرف أن كل غموض يؤدي إلى الحب، كما كان «كل طريق يؤدي إلى روما».


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *