
جاذبية السفر | تدوينات وتأملات
استمع أثناء القراءة 🎧
لعالم السفر عشاق، وقد لا يكون من يكتب عن ذلك العالم من عشاقه بعد، فقد فضل قبل السفر إلى أنحاء العالم أن يكمل جزءًا من السفر إلى أنحاء النفس، مؤمنًا بأن النفس التي لا يبذل الإنسان ما في وسعه، متحملًا وعثاء السفر، لاكتشاف أغوارها ومغاراتها وأسرارها، والتأمل في تقلبات أحوالها في مراحل الشدة والرخاء، قد يهرول ويلهث ويسافر مستميتًا للبحث عن ملامح الجمال والدفء، أو الحصول على شيء من لحظات البهجة والدهشة المتفرقة في العالم، دون أن يكتسب بنفسه القدرة على خلق وصناعة شيء مما يبحث عنه، ليزين به ملامح هذا العالم.
ولِما يبحث الناس عنه في أسفارهم ملامح عديدة، وقد كنت في رحلات السفر القليلة، المحملة بعدد من أخطاء المبتدئين، قد لمست بعض ملامح ما يجذبني إليه وأبحث عنه فيه، فالمتاحف والمعارض الفنية ومعارض الأعمال اليدوية تشكل جزءًا من عناصر الدافعية بالنسبة لي، فجاذبية السفر، مدفوعة بما يحمله ويمكن أن ينتجه الإنسان من صنعه الفردي، تفوق جاذبية كل مظاهر التحضر والتطاول في البنيان الأسمنتي.
وما دعاني لأكتب حول “جاذبية السفر” هو ما تفضلت به الأيام الماضية، وقدمته خوارزميات تطبيقات التواصل الاجتماعي من مقاطع وصور، حيث بدأت، على غير عادتها، تجود ببعض محاسنها لتساعد على لمس ما يجذب للسفر إلى مدن لا تشكل روحها المعالم والتضاريس التي يمكن أن توجد في كل مكان، ولا الأسواق والمقاهي والمطاعم التي أصبحت في معظم البلدان.
فقد نجد في أيامنا هذه أن المجتمعات التي لم تقلل من شأن الفنون والحرف اليدوية لوقت طويل من الزمن، صارفةً جهودها في تعليم ما يدفع الإنسان ليكون متوافقًا مع متطلبات سوق العمل، هي أكثر الدول حظًا في عدد الأفراد القادرين على صناعة وخلق الجاذبية للسفر، فاليوم، وعلى سبيل المثال، تشاهد كيف يشاركك الفنان التشكيلي في دولة قريبة أو بعيدة جزءًا من ورشته الفنية مع منتسبين من دول متعددة، وبذلك يخلق شيئًا من الدافعية للزيارة والمشاركة، ويخلق بذاته جاذبية السفر من وجوده الخاص كفنان، كما تشاهد كيف يقوم الحرفي بتصوير وإخراج مقاطع فيديو لعملية صناعة منتجاته بأسلوب يحمل في طياته ما يلهم ويغذي الحس الجمالي، وبذلك يحيي الجاذبية للسفر للحصول على إشباع وجودي، لزيارة المكان الذي تخرج منه تلك المنتجات، لا الاكتفاء بمجرد شرائها من خلال الإنترنت، وبذلك يكون قد أسهم بخلق جاذبية السفر من وجوده الخاص كحرفي.
وعلى الرغم من أن ذلك هو حدود ما أعرف أنه يجذبني حتى الوقت الحالي، إلا أنني مؤخرًا اطلعت على عدة مقاطع فيديو، أظنها قد أصبحت واسعة الانتشار، لسيدة أعمال مصرية تشارك في مقاطعها بكل عفوية ما تُعرف من خلاله بفريق العمل لديها في نشاطها التجاري، والذين تزيد أعوام خدمة الكثير منهم على عشرين وثلاثين وأربعين عامًا، الأمر الذي لم يعمل عمل الحملة التسويقية لاسم نشاطها التجاري فقط، بل وصنع جاذبية من نوع مختلف، حيث يكون لدى الفرد رغبة في استكشاف هذا النشاط ومنتجاته، الذي صمد فريقه لأعوام، نتيجة أنه، وبلا شك، كان قائمًا على نظام لا تطغى فيه ملامح أنظمة التعاملات المادية على ملامح المراعاة لطبيعة ما قد تمر به النفس الإنسانية، وأيًا كان الهدف من مشاركة تلك السيدة، فقد نجحت في بلوغ ما يمكن له أن يصنع جاذبية للسفر والتعرف إلى نشاطها التجاري ومخرجاته.
والجاذبية للسفر اليوم، كما أراها، قد تتغير ملامحها، فقد لا تكون مدفوعةً بتعطش لاستكشاف المدن والطبيعة، بل لاستكشاف ما هو أصيل ومتفرد في الإنسان الذي واظب على الحفاظ على طبيعته الأصيلة المتفردة، أو سعى لاكتشافها وإبراز ملامحها حتى أصبحت جاذبة لأن تُستكشف عن قرب.
وأنت أيها المسافر.. ما الملامح التي تبحث عنها في أسفارك؟

اترك تعليقاً