جاء القرآن بما يمكن أن يُرى من خلاله انعكاس لملامح باطن وسلوكيات الإنسان في كثير من الأحيان، واحتمالات ما قد يُقدم عليه من أفعال، وأي الطرق قد يميل لاختيارها. وكشخص كان القرآن حاضرًا في حياته منذ أعوامه المبكرة في حلقات التحفيظ والمدرسة، فقد كنت أرى في حضوره، الذي يغيب عني فيه إدراك عمقه في تلك المرحلة، ثقلًا علميًا وتاريخيًا، ولغة ثنائية بين الترغيب والترهيب تجعل النفس في ضيق من جهلها واحتمالات سعيها الذي قد ينتهي بها لإهدار الحياة فيما لا ينتهي إلى خير دائم.

ولعل ذلك الترغيب والترهيب، وما أسهم به من شعور بالقلق والتأنيب، كان دافعًا للحرص على السعي للبحث عن سبل النجاة، وأدى لتتشكل طبيعة وهندسة التفكير العقلي والميول العاطفي النفسي بطريقة معينة، تكون فيها النفس أكثر انفتاحًا للتأمل والتفكر والتحليل والتفسير والاستنتاج والتأويل. الأمر الذي انتهى باليقين بأن القرآن يدعو بما يُرهب به ويُرغّب، ليخوض الإنسان رحلة تدينه الخاصة.

والتدين، كما أراه، رحلة بحثية تجريبية جريئة شديدة الخصوصية، ولا تسمى رحلة إن كانت منطلقةً من حالات ورغبات غير ناضجة هدفها المخالفة أو الابتداع أو التمرد ورفض الاتباع لواجبات تعبدية؛ فذلك، وبحسب ما أراه، لا يمكن أن يتجاوز كونه مجرد ردة فعل عاطفية مدفوعة برغبة بالانفصال عن المجتمع وما يؤمن به. أما التدين، فهو عملية ارتحال كلي خارج إطار الشخصية وثنائية الهوية إلى عمق النفس، لبلوغ الفهم مرورًا بقاع القبح وفجور وشرور وظلال الأشياء، وصعودًا لسمو الجمال، أو العكس.

وهو الارتحال الأهم الذي يحمل تذكرته الإنسان إلى باطن نفسه، وما من إنسان إلا وفيه شيء من صدق الرغبة بخوض تجربة التدين التي تنتهي به للسلام والتسليم والقبول والطمأنينة واليقين بكونه يتبع دينًا إسلاميًا وسطيًا قويمًا، يجتمع عليه عقله وقلبه، ويشعره بحقيقة قربه وصلته بربه.

والتدين، لكونه تجربة ارتحال شديدة الخصوصية، يظل الأكثر مشقة وكلفة، والأطول في المسافة المليئة بعناصر المفاجأة. وهو أعمق من أن يُكتب عنه، أو يوجد من يكون له من الاقتدار ما به يكون قادرًا على رسم خريطة للنفس الإنسانية، أو مُعلنًا بيانًا عن كونه خاض التجربة وانتهى إلى اليقين بمعرفة الاتجاهات وما يؤدي إلى النجاة من مسارات في الحياة.

وبعد هذه المقدمة التي آمل أن تكون قد لعبت دورًا في تنشيط ما يساعد على إيجاد النقطة المناسبة للدخول إلى طبقة أعمق من سطح الفهم، أو كانت مملةً بما يكفي لتنفر بعض الأشخاص ذوي القوالب الجاهزة والأحكام المتعجلة والأنفاس القصيرة، أود أن أتلبس الكلمات لأدخل في الموضوع وأخرج منه بسرعة وإيجاز، ما استطعت إلى ذلك سبيلًا.

ومن هنا أقول إنه كان القرآن ولا يزال جزءًا من أحداث يوم الإنسان المسلم في صلاته وحياته، ومن الأمور التي أثرت أن يكون لها حضور في أيامي أو بعضها أن تكون إذاعة القرآن على الراديو تعمل أثناء الغياب عن مكان الإقامة، وفي بعض الأحيان حال التواجد فيه. وقد ذهبت مؤخرًا للانتباه إلى الآيات التي تقع على مسمعي مصادفةً، لتكون بابًا يأخذني نحو التفقه في الدين، بحثًا في التفسير أو أسباب النزول، أو تأملًا في انطباقها على الأماكن والأزمنة وطبائع النفوس.

ومن السور والآيات ما جاء فيه ذكرٌ لقصص الأنبياء والصالحين والطغاة والمنافقين، للتفكر والتدبر والتأمل في أحوالنا وأحوالهم. وقد كان فرعون مضرب مثل في تدينه، حيث كان تدينه ودينه الطغيان والكبر وغرور الإنسان، فشاءت مشيئته سبحانه أن تهلك نفس فرعون ويبقى جسده ليكون آية لمن خلفه.

ولست ذلك الخبير العالم بالحضارات لأتحدث عن فرعون ونشأته، وأقدم بيانًا موضحًا فيه خريطته النفسية ودوافعه للوصول للسيادة، إلا أن وصوله لحكم مصر فيه ما يخبرنا عن احتمال كونه جدّ واجتهد لتقوى فيه خصال تمكنه من أن يكون نصف إنسان ونصف حيوان، وذلك ما أعانه ليبلغ من النفوذ والقوة ما جعل غيره ينقاد له ويؤمن به ويسلّم باتباعه.

أما ما جعلني أكتب عن «تدين فرعون» فهو ما وجدته دافعًا للابتسام حينما سمعت القارئ في إذاعة القرآن يأتي على آية من سورة غافر، يذكر فيها مخاطبة فرعون لقومه ومبرراته لإقناعهم بقتل موسى:

﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَىٰ وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾

وقد كانت لحظات الابتسام عزيزةً على نفسي، فقد جاءت بعد عمرٍ من محاولات بلوغ شيءٍ من الفهم، وجاء ذلك الفهم ليأخذ بيدي من الحدود الضيقة التي تحصر القرآن في الترغيب والترهيب، ليريني كم في القرآن من سعة ودعوة للفهم والوعي والاستمتاع بالتوسع والاتساع من خلال التدبر والتفكر فيما تحمله النفوس ويتلاطم في أعماقها من تناقضات ومخاوف وصراعات.

ففرعون، الذي كان دينه ظاهرًا في غروره وتعاليه وكبره ومنطق خوفه، وتدينه ظاهرًا في طغيانه وبطشه، دافعًا إياه لقتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم لكونه كما جاء في الروايات«خائفًا» من تحقق حُلمٍ من أحلامه فُسر على كون أن ملكه يفسد على يد غلامٍ من بني إسرائيل، فرعون الذي دفعته الرغبة بالتخلص من «خوفه» لإعلان أنه هو الرب الأعلى… يمنطق الأشياء يمنطق الخوف، ويحاول إنقاذ الأرض من الفساد!

وهنا نرى كيف يكون من المضحك أن يكون الإنسان الخائف منطقيًا أو واعظًا أو مؤمنًا أو محبًا؛ فميزان منطق الإنسان فيما يتعلق بالإيمان له حدود، وحدوده تنتهي عند الشك والخوف، حيث إن الإيمان في الغالب يتجاوز ميزان وحدود المنطق. أما المنطقي الخائف، فسيكون لديه رغباته المُلحّة على الدوام في التملك والتسيّد، والتي قد تصل لتكون خانقة، وفي بعض الأحيان، كما حدث مع فرعون… تكون قاتلة!

وقد كان فرعون خائفًا جدًا قبل موسى، فقتل أطفال بني إسرائيل، وبعد موسى فقتل زوجته عندما آمنت وعذّب من آمن مع موسى، وعبّر عن رغبته بقتل موسى لكونه خائفًا: «إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ». وذلك يدل على تدين وإيمان قوي بالنفس ومخاوفها يحجب عنها رؤية حقيقة ما هي عليه من فساد وما تقوم به من إفساد وظلم للعباد.

ومن عجائب النفس البشرية أنها تمتلك هذا الإرث الإنساني القديم، ومُلهمة به على مر التاريخ، وتعيد اجتراره، من الكفر والفجور إلى النفاق الاعتقادي أو النفاق العملي. فقد تجد من يرى في نفسه سمات النبلاء ومنازل العظماء، ويحلّ لها ما أحله فرعون لنفسه من إفساد وظلم للعباد، وذلك بقول أو فعل. فيجعلك تبتسم مُسلمًا ومؤمنًا بكون أن النفس دون تجربة تدين حقيقي يقودها إلى التزكية تظل هي النفس التي تعيد أنماطها والتاريخ يظل يعيد نفسه.

وختامًا، قد أكون استخدمت «تدين فرعون» كعنوان لهذه التدوينة، وقد يُرى على كونه استخدامًا فيه شيء من التجاوز لما يُعرف به التدين، ولكن ما أعرفه عن معنى «الدين» في اللغة هو ما يُقصد به عدة أمور ومنها المعتقد الذي يعتقده الإنسان، واستخدامي لمفردة «التدين» أقصد بها تطبيق ذلك المعتقد.

أما ما ذكرته عن كون التدين رحلة لاستكشاف باطن النفس… إلخ، فذلك هو ما أؤمن به ولا أجادل فيه أو أدافع عنه، وأرى أن الإنسان قبل أن يخوض رحلة تدينه لا يكون قد بدأ بشيء مهما بدأ، أو سينتهي إلى شيء مهما انتهى.

وعند هذا ننتهي بابتسام ونودعكم بسلام.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


جميع الحقوق محفوظة © بدرائيليات | بدر المانع
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر المحتوى أو استخدامه دون إذن مسبق.