المُدوِّن والمُدوَّنة

لماذا لا تُنشئ مدونة؟

في البداية هذا السؤال لن أقدم أي إجابة عليه؛ لأن الجواب هو من شأن القارئ المعني بالإجابة، أما أنا فسوف أتحدث عما دعاني لأفكر في إنشاء مدونة.

فالفكرة بدأ طيفها يراودني منذ بداية عام 2025 م، أما الإعجاب بالمدونات فكان قبل ذلك، ففيما يقارب عام 2017 م كان قد وقع إعجابي على مدونة شاعر سعودي خذلتني ذاكرتي في استذكار اسمه وأبيات شعره، إلا أن نبرة صوته يتردد صداها في ذهني خلال هذه اللحظات، في محاولة لإزالة ما تراكم على الذاكرة وتكوّن من طبقات النسيان، ولكنها محاولات ونداءات تشبه أصواتًا قادمة من ذكريات أحفورية دُمجت معالمها في طبقات الذاكرة، وأودعت في جزء من تكوين ما يُشكل ملامح الذائقة.

كما خذلتني محركات البحث في إيجاد تلك المدونة لمشاركتها هنا حيث كانت مدونته وما تحتويه من جمالية وأعمال صوتية رفيقة الدرب في أثناء التوجه إلى العمل.

أيضًا كان لدي محاولة في فهم الجدوى والاحتمالات وما يأتي من تأثير للمدونات، وقد جاء شيء من ذلك الفهم من خلال متابعة الفيلم الدرامي الكوميدي Chef 2014، الذي كانت تدور أحداثه حول طاهٍ يثق بمهاراته وقدراته وتفرده، ليدفعه ذلك إلى تقرير ما يُقدمه من قوائم الطعام في مطعم لا تعود ملكيته إليه، ويصادف أن يتعرض لنقد لاذع من قبل مدونٍ متخصص في تقييم المطاعم، يشارك من خلال مدونته الشهيرة تقييماته والتي من شأنها أن تقوم بما تقوم بها الحملات التسويقية المدفوعة في ذلك الوقت، والمراجعات والتقييمات في خرائط قوقل، والمشاهير الذين جاؤوا بعد ذلك ليتم تعريفهم بـ«البلوقر» «المدونين»، على الرغم من عدم حملهم لسمات وملامح الـ«بلوقر».

فوصف المنتجات والخدمات بعبارات تسويقية دينية أو مقتبسة من العبارات والمفردات العامية للحياة اليومية، مثل: «ما شاء الله ما شاء الله ولا غلطة»، «فاخر من الآخر»، «يينن باللهجة الكويتية أو يجنن ويأخذ العقل»، وإلى آخره من عبارات ومفردات بسيطة، في رأيي أنها لا تمثل البلوقر في شيء.

فالمدون، وكما أراه، لديه علاقة مختلفة مع التجربة الإنسانية، وقد يكون نجح في تشريح جزء منها وتحويلها لتكون تجربةً تأملية تجعل لديه تفرد في مهارات فهم وهضم الأشياء، وبناء علاقة مع الفكر والفلسفة وتوظيف الكلمة للربط بينهما، الأمر الذي يؤهله لصنع ما يُمكن أن توصف به التجارب وتنتهي إليه من خلق للمعاني ومنح الأشياء ما يُمكن أن تُمنح وتستحق أو نزع ذلك عنها.

فالمدون يملك ما يمكنه من أن يكون خلاقًا وصانعًا، وما يؤهله ليكون متذوقًا وناقدًا من خلال صوته وحضوره الخاص الذي قد يحضر من خلال الكلمات، لا من خلال المعارف والعلاقات وملامح الوجه ومعالم الجسد وجاذبية المنحنيات.

وبالعودة للمدونة، فلم يكن بالنسبة لي هناك نوايا مُحركة أو أهداف كبيرة دافعة لإنشائها، إلى أن تعرض حسابي في منصة إكس لمشكلة تقنية، على أثرها بدأت المنصة في القيام بسحب قيمة مبلغ الاشتراك الشهري للحصول على اشتراك بريميوم لمرتين متتاليتين في الشهر الواحد، وقد تكرر ذلك الأمر لأكثر من مرة.

وافق ذلك كوني في الآونة الأخيرة لا أجد في نفسي الرغبة في تقديم الشكاوى أو المطالبات أو تصحيح الرؤى والتصورات، فبمجرد أن تخرج الأمور عن مسارها تخرج رغبتي في إعادتها إلى المسار، ليس شيئًا من الاستسلام، بل شيئًا من تجنب المقاومة واستثمار التركيز والتوجه نحو ما يكون فيه ملامح للتدفق والسريان.

كما كان ما تدفع به الخوارزميات من تغريدات يتزاحم بها التايم لاين بالكثير مما يصرف الانتباه عن هدف وغرض الإنسان من تواجده في مثل تلك المنصة، دافعًا مسهمًا لإيجاد متنفسٍ إبداعي خاص في الفضاء الرقمي، ومزارٍ خاص للتعريف بما يمكن أن يسهم به الإنسان في هذا العالم الافتراضي.

إضافة إلى ذلك تأتي محدودية القدرة على تنسيق القوائم والصفحات وعرض المُحتوى وإضافة وتعديل ما يرغب المرء في القيام بتعديله أو إضافته من لمسات جمالية، تجعل فيمن يجد في نفسه تعددية في المواهب مُقيدًا بحدود ما تقدمه المنصات إليه وما تفرضه عليه، وقد كان ذلك أحد الدوافع لإنشاء المدونة، والتي جاء تنفيذها من خبرات فردية بسيطة وبمساعدة وإرشاد من قبل أدوات الذكاء الاصطناعي.

وما وجدته يتبلور من ملامح بعد إنشاء هذه المدونة، والتي لم يمضِ على إنشائها أكثر من شهرين، دعاني لتقدير أن الإنسان يحتاج لبيئة خاصة به يكون فيها ما يسهم بخلق الحافز ويحرك الدافع للاستمرار في ممارسة الهوايات وتطوير المواهب والمهارات.

وهناك مثل في العامية يقول إن «نصف الحلال نظرة»، وحينما ينظر الشخص إلى ما يصنعه من محتوى في مكان واحد قام بهندسة عرضه، يكون لديه أشبه ما يكون بالخريطة الذهنية المساعدة، والتي تسهم في إرشاده إلى أين ينبغي أن يتوجه إليه، وفيما ينبغي أن يستثمر فيه ويركز عليه.

ولأنني سمحت بالتعريف بنفسي ككاتب ومدون في بداية الأمر، وفي طريقي للتعريف بها كشاعر وفنان ومخلوق أسطوري في وقتٍ لاحق، إلا أنني أدرك أن ذلك التعريف الأولي لا يتم قبوله أو الاعتراف به في الأوساط الثقافية إلا بعد أن يقوم الشخص بالكتابة في أعمدة الصحف والمجلات أو تنشر مؤلفاته من خلال دور النشر لتُصلب على رفوف المكتبات، أو يجد تفاعلًا واعترافًا من قبل أساتذة وكُتاب لديهم السبق في الحصول على تلك الألقاب والتعريفات وما شابه.

وعلى الرغم من كوني أحترم ذلك، وما قد تتطلبه عملية الحصول على تلك الألقاب من مدة لا تقل عن خمسة أعوام في الممارسة والنشر والمشاركة، إلا أنني أجد أن الكاتب الذي يستوطن نفسي قد يكون أقدم من تجربة وجودي برمتها، وليس بحاجة للاعتراف أو التسلق والتملق على الرغم من تقصيري في دفعه لصقل مهاراته وإبراز صوته وتطوير قدراته.

ويمكنني أن أتفهم أنه في زمن التسابق للتسويق والعرض للحصول على احتمالات الطلب، فقد يصعب على نفس من يشارك بدافع المحبة للمشاركة أن يقوم بعرض ومشاركة ما لديه بأريحية، متجنبًا من خلال ذلك أن يُنظر إلى كونه في عداد من يعتبرون منساقين للتوجه المادي الذي يسلع كل شيء وينتهي إلى رغبات ومطامع مادية، ولكنني أرى أيضًا أن من يكتب لمجرد الكتابة أو يشارك فنه لمجرد المشاركة دون أن يكون منفتحًا على احتمالات الطلب لكتاباته أو فنه لما يحمله من إلهام وإثراء للتجربة الإنسانية أو الذائقة الجمالية قد يكون بذلك يختار نوع وطبيعة انغلاقه عن العالم الذي قد يُخيل إليه أنه لا يضعه في محل التقدير ويؤثر تقديم السطحية والهزالة على ما لديه من عمق ومعنى.

وهذه التدوينة لا تأتي من شعور مدفوع بالحماسة أو التفوق والنجاح والأسبقية أو لمس صدى للنجاح، بل من وعي وإدراك بأن هناك من سبق وبادر وعمل ما لم يسبقه إليه أحدٌ، وقد يكون انتهى للاستسلام وللإحباط.

ولذا فقد جاءت هذه التدوينة من رغبة في مشاركة تجربة قد تسهم في حث بعض الكُتاب أو الفنانين للتفكير في إثراء الفضاء الرقمي بما يتميزون به ليتسنى التعرف عليهم عن قرب.

فمن الصعب اليوم، حتى في ظل تواجد الكاتب أو الفنان في منصات التواصل، أن يتم التعرف على ملامح ما لديه أو أن يكون هناك رابط يربط الآخرين في متابعة ما يأتي به، فالكثير من النصوص المتراكمة في منصات تطغى فيها الإعلانات وتحكمها وتتحكم بها الخوارزميات تقلل الدافعية وتصرف الجاذبية وتجعل من يستثمر وجوده فيها مشمولًا باحتمالات ما يلحق تلك المنصات من نظرة وأحكام عامة.

في الختام قد أكون لم أقدم إجابة على السؤال: «لماذا لا تنشئ مدونة؟»، ولكن أتمنى أن تكون قد لمحت شيئًا يدعوك للتحرك نحو صناعة الإجابة.

تحياتي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *