وصلتني على البريد نشرة قصاصات الخميس التي يكتبها الأخ أحمد الشمراني، وقد كانت نشرة خميس هذا الأسبوع تتحدث عن الصداقة، وما حرّكته تلك الصور التي وجدها، فأثارت فيه ما جعله يمتعنا بالحديث عنه ومشاركته، مشكورًا.

وما أود قوله عن الصداقة، أنها من تجارب التسامي الأولية التي يخوضها الإنسان، ويجد فيها شيئًا من الحميمية الروحية تجاه أشخاص خارج حدود مساحاته العاطفية المعتادة بحكم المعايشة أو صلة الدم، ويمكن وصفها بأنها أول تسلل للعواطف خارج حدود الأسرة والمنزل، وقد يندر إيجاد ذلك النوع من الحميمية الروحية في علاقات أخرى…

وهي في مراحل الإنسان المبكرة، كما أراها، تظل في حدود التجربة التي ينبغي الانتباه لتأثيرها ما دام الإنسان في طور نموه ونضجه النفسي والروحي وبنائه المادي، أو مراحله الانتقالية الكبرى وما يمر به خلالها. فالصداقة قبل المرور بذلك وتجاوزه ليست مما يمكن أن يأمن له الإنسان ويفضي إليه أو يطمئن له ويتكئ عليه، فطول عمر الرغبات المادية المعلقة وعدم سرعة انطفائها في زمننا المتسارع في الظاهر، المتباطئ بالإشباع في الواقع، والذي لا ينفك عن جعل الإنسان محاطًا بسوق عالمي ضخم لا يتوقف عن بث الرغبات التي تجعل نفسه عالقةً في حالة من الاجترار والاستمرار بالدوران في عجلة الرغبات والمقارنات، بعيدةً عن حالة التسامي والصفاء والقدرة على العطاء؛ هذه الحالات التي تهيئ المساحات لاحتمالات بناء أساسات الصداقة.

وكنت قد ذهبت للاقتناع بأن الصداقة في زماننا الحالي ليست إلا مرحلة تجريبية، حالها كحال غيرها من التجارب والعواطف التي تمتد إلى الخارج، ثم تنتهي أو تُفقد هناك، إلا أنني حينما بدأت أتنبه لورود مفردة «صديق» في القرآن الكريم، وجدتها في موضعين، ومن خلال مواضع ذكرها يمكن أن نتصور أسسها أو قوامها الذي تقوم عليه.

فقد ذُكرت كلمة «صديقكم» في سورة النور (الآية 61):

﴿لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

ومن سياق الآية يمكن أن نتصور أن الصداقة تظهر أنها نوع من علاقات القرابة التي يكون فيها احتمال تحصيل الاحتواء والاحتفاء بالشخص وإكرامه هو الحالة الافتراضية المتوقعة.

ويمكننا تصور أيضًا أن من معالمها الطبيعية المبادرة والدافعية المنطلقتين من الحمية الروحية لمشاركة البصيرة للنجاة من احتمالات الفساد والإفساد وإهلاك النفس، ومن ذلك ما ذُكر في آيات سورة الشعراء في تحسر أهل النار (الآيتان 100–101):

﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ ۝ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾

وقد تأتي الصداقة وتنقطع، ويُكتب لها أن تعود أو لا تعود، إلا أن غرضها الأسمى، باعتقادي، هو تعليم الإنسان فضيلة التسامي والارتقاء بمحبته تجاه الخلق، لتكون محبته لهم محبةً في الخالق كانو حاضرين في عصره أو سبقوه في الحضور والارتحال.

ولم يأتِ ذلك الاعتقاد من أفكار تنظيرية أو رغبةً في طرح فلسفة صوفية، بل من تجارب لا زلت أذكرها بابتسام، وأراها بعين الامتنان. ومن تلك التجارب ما كان لأحد الأصدقاء القدماء من حضور في أبعاد قد لا يدركها وعي الإنسان، وذلك حينما حضر في ذهني، بين يقظة ومنام، بينما كنت مرتديًا لباس الإحرام في الحرم المكي، ليعاتبني مبتسمًا: «وأنا ما يندعى لي؟!»


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © بدرائيليات | بدر المانع
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر المحتوى أو استخدامه دون إذن مسبق.