
شكوك عُمر
منذُ ما يُقارب العشرة أعوام، كنت قد ذهبت لإجراء اختبار للتقدم على أحد الوظائف الإدارية في جامعة من جامعات المدينة المنورة، ومنذ ذلك الحين وقعت بحب المدينة، وكأن تلك الفرصة الوظيفية التي آمل التوفيق لمن حظي بها ليست إلا نداءً سماويًا للبدء في سلك طريق الحب والتعرف على ملامحه، نعم، الحب في المدينة لهُ طُرق وملامح كثيرة، فحتى جبالها كانت مُحبةً ولا تزال: «ذلك أُحد جبلٌ يحبنا ونحبه».
فأخذت على نفسي وعدًا بأن أزور المدينة في كل عام ما أمكنني ذلك، وقد أعانني الله وتفضل عليَّ بذلك، فلم أنقطع عن زيارتها لأكثر من عامين كنت فيهما في قمة انشغالي بالحياة والنجاح فيها، وقمة احتراقي وبؤسي منها أيضًا.
والمدينة المنورة كما عرفت عنها كريمة معطاءة، تهادي زائرها بما قد يعلمه وبما قد لا يعلمه، فلا يمكن أن تعود من مدينة الرحمة والحب إلا بنفحات من الرحمة والحب، وفي آخر زيارة قريبة كنت قد مررت فيها للسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وجدت شعورًا يفيض بالرحمة لم أنتبه له من قبل، وكان ذلك عند المرور بقبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد حاولت حينها التقصي وراء ذلك الشعور الذي جاء مفاجئًا.
فقلبت في ملفات الذاكرة حول ما أعرفه عن عمر، فوجدت أن آخر ما قد مر بي من سيرته، التي لا أعرف الكثير عنها، هو ما قد رُوي عنه بأنه ألح على حذيفة بن اليمان، صاحب سر رسول الله، الذي أسرَّ إليه بأسماء المنافقين وائتمنه على عدم إفشاء ذلك السر، أن يخبره إن كان من أولئك المنافقين أم لا.
عندها عرفت أن ذلك ما قد حرّك فيني الرحمة، الرحمة تجاه ذلك الضعف الإنساني الخفي الذي قد يحمل الإنسان الصادق للشك في إخلاص قلبه ويقينه بأن القلب لا ينقطع عن التقلب، والشك في نفسه واحتمالات أن تكون دوافعها الظاهرية خيّرة، بينما قد تكون مدفوعة ومأتمرة بالسوء، والشك في كونه صابرًا أو هو ظاهرٌ بمظهر الصابر المحتسب الذي يظهر الإيمان والصبر، بينما تمتلئ أحاديث نفسه بأصوات المقاومة والامتعاض والضجر…
شكوك عُمر، شكوك يحملها المؤمن الصادق الذي عرف أن لا فضل له بهداية نفسه، وإنما الهداية هي توفيق وفتح من الله لجهاد النفس من وقوعها بيقين بالصلاح يُعميها أو إتكالًا على أعمالٍ تغتر بها فتطغيها، فاللهم اهدنا فيمن هديت

اترك تعليقاً