خلال كل إجازة صيفية قد يصادفك في الفضاء الرقمي من يشارك تجاربه ورحلات سفره وتنقله بين البلدان، بعض ذلك يكون توثيقًا للحظات ومشاركة لما يحاول صناعته من ذكريات، وبعضه مشاركة لتجارب وخبرات، ويأتي بعضه كمحاولة لتطوير وممارسة مواهب وهوايات، وبعضه لإيضاح واستعراض ما يملكه من ماديات، وما هو عليه من مستوى، وما ينتمي إليه من طبقات.

وقد تجد في بعض الأحيان من يشتكي من بلدان لا يتوقف الناس عن زيارتها والإشادة بجمالها وجمال طبيعتها، وقد تكون شكواه نتيجة تجربة شخصية شاذة، أو موقف واحد يتم اجتراره وتعميمه على كامل التجربة، أو من اعتقاد مبالغ فيه بامتلاكه لحقوق وأفضلية حول ما ينبغي أن يُقدَّم للسائح من خدمات و واجبات الضيافة، حتى وإن كان متعاليًا أو متجاوزًا في بعض سلوكياته.

وليس الحديث عن السفر ودوافع الناس منه ومقاصدهم فيه بقدر ما هو حديث فيه تساؤلات عن المكان وذاكرة الإنسان القديمة التي تتذكر ملامح الانتماء من خلال السفر إلى الأماكن والمرور بها، فهل سألت نفسك أين تجد انتماءك حينما تسافر؟ وهل تعرف ملامحه؟ هل هو بطقس وطبيعة جميلة؟ أم بأشخاص تقع في حب عفويتهم وصراحتهم البريئة الظاهرة؟ هل هو بمتاحف ومعارض تزورها وفنون تتأمل بها؟ أم هو بارتياحك بكون من يسيرون من حولك لديهم الحرية في التعبير عن حقائقهم دون حاجة للجوء للمراوغات أو قمع وكبت الاحتياجات؟ هل هو في سعة رحم المكان لقبول تعدد الأجناس والأعراق وتنوع الثقافات؟ هل … وهل … أم هل؟

وهل ينجح الإنسان من خلال سفره في استعادة ذاكرة انتمائه الأولى … للنسخة التي قد تكون الحياة حالت بينه وبين التعرف عليها؟، هل يسافر ليعيد تذكر تلك النسخة التي لم يُشعل فتيلها؟ وهل يُشعلها؟ وهل تنطفئ الشعلة بعد العودة؟ أم يظل الإنسان وفيًا لذلك الانتماء الذي قاده المكان لتذكره، وهل تبدأ الحياة فعلًا بعد ذلك؟ أم أن الحياة ليس مقدرًا للإنسان فيها أن يجد أن فتيلها يشتعل ويشع في كل مكان؟ وهل على الإنسان أن يتقبل العيش في مكان لا يجد فيه ملامح انتماءه من باب الوفاء؟ وهل الوفاء عند ذلك يكون نوعاً من الأسر الروحي الطويل؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *