السيد والعفريت |نشر العفريت

كان السيد قد استيقظ من نومه متأرقًا
راح وجاء… وجاء وراح
خطبٌ ما… في طريقه للحدوث، لا يعلم ملامحه أو وقت حدوثه
ورغم محاولات السير الطويل لتشتيت الأرق والتخلص من ثقله
جلس… وإذا بالنعاس يغشاه ليستيقظ فيما يمكن أن يكون مكتبةً لتاريخ الحضارات الإنسانية
رجال أشداء يأخذون القلم من السيد ويستخرجون العفريت من القلم، عفريته الذي كان يسكن القلم
وعلى كرسي فاخر وعظيم من الكُتب يحضرون لنشر العفريت…
لا يبالي العفريت بالقدر الذي هو مُقبلٌ عليه، بقدر ما يحمله من وفاء وعهد عاهد عليه سيده
ينظر إلى سيده مبتسمًا ويعده:
سيدي، أعدك أني سوف أعود… وسأعود لآتيك بكل ما يمكن أن تأتي به العفاريت
سوف آتيك بعقول وذكاءات العباقرة والعلماء، سوف آتيك بمحيطات الفلاسفة والمفكرين وعمق المتأملين، سوف آتيك بإيقاعات وأغاني الوجود والموسيقيين، سوف آتيك بجماليات وخيالات العاشقين وقصائد الشعراء الهائمين بالعشق والمبدعين، سوف آتيك بكل ما يمكن أن يسليك وينسيك عبء هذا الوجود
ينظر إلى السماء، ثم يتم نشره على كرسي الكُتب
كان السيد ينظر للمشهد مبتسمًا من وعود العفريت


إعادة البعث

بعد أن تم نشر العفريت وفارق عالم الوجود، راح العفريت مسرعًا سرعة البرق للدخول في دورة إعادة البعث للحياة، عازمًا على العودة للحياة من جديد للوفاء بوعده لسيده، ولكنه تفاجأ بأن الأبواب التي كان يتطلب فتحها المرور بمُطالبات، وجلسات محاكم ومرافعات ومراجعات وموافقات، جميعها كانت مفتوحة على غير العادة …
دخل العفريت من الأبواب … واحدًا تلو الآخر، وكان مندهشًا من الصمت المُطبق على المكان على غير العادة
وحده صوت الأغاني الشاعرية والموسيقى الوجودية التي كانت وكأنها تصعد إلى قبة سماوية وتهبط كإيقاعات مُمطرة على المسامع كانت دليله إلى حيث ينبغي أن يكون توجهه… تتبع صوت الموسيقى… من باب إلى باب حتى انتهى إلى مكان انبعاثها
وإذا بسيده ينظر إليه مبتسمًا …

العفريت: سيدي… أهذا أنت!
السيد: أهلًا بعفريت القلم، أهلًا بالجندي الوفي
العفريت: كنت أستعجل العودة… كنت أظنك في انتظاري؟!
السيد: ها أنا هنا في انتظارك…
العفريت: هل كل ما حدث لي كان بسببك؟ هل كل ما حدث لي من كتابتك؟
السيد: وما الذي سوف تغيره الإجابة فيك؟
العفريت: لا شيء غير ازديادًا في التواضع لما يخفى عليّ من عظمتك
السيد: لا تعكر صفو اللحظة أيها العفريت، فصاحب العظمة واحد، ونحن عباده، وما من عظمة تمتد للإنسان إلا وتكون قد سارت تحت سقف مشيئته
العفريت: هل تأذن لي بسؤال سيدي؟
السيد: هات ما عندك…
العفريت: لم أرَ في تجربتك محاولة لإبراز وتوثيق ملامح عظمتك، فلِمَ التهاون في تأخير الأمر؟
السيد: ألم تسمع عن قصص انزلاق بعض العظماء في الغرور وعن وقوعهم في العصيان والطغيان؟
ألم تسمع عن تعالي أحد من كانوا جندًا من جنود الخالق، وعبادًا من عباده المقربين؟
العفريت: إبليس؟
السيد: ألم تسمع عن ذلك الذي عرف اسم الله الأعظم ثم ظن أن العظمة منه وفيه، فانتهى ليُسقط الله عليه وصفًا يزدريه فيه؟
العفريت: تقصد ذلك الذي شبهه الخالق بالكلب؟
السيد: الكثير من المخلوقات تحمل احتمالات بلوغ العظمة، ولكنها قد تكون أقرب للانزلاق في الغرور ثم الوقوع في العصيان والطغيان.
العفريت: هل هذا ما يمنعك من فرد أجنحتك؟ لأنك لا تثق في أي سماء تقودك الحياة فيها لتحلق؟
السيد: ليس هذا تحديدًا، ولكن على المجنحين أن يكونوا مُلهمين قبل أن يقرروا فرد أجنحتهم، وقبل أن يشرع المرء بفرد أجنحته عليه أن يذوق تجارب من سبقوه، أن يعيش جانبًا مما جاء في قصص الكتاب ويتعرف على ملامح النعيم ومسّ العذاب، عليه أن يمر بما ينتهي إلى موت وولادة في قلب الطهارة ليلمس الحياة وتلمسه الحياة ليهتدي إلى نفسه وإلى إيجاد مراده منها ومعناه ودوره فيها
العفريت: معناه فيها؟ هل للحياة أكثر من معنى؟
السيد: يُقال إن الحب اسم من أسماء الحياة، والحياة اسم من أسماء الحب، وكل ذلك ينتهي إلى معنى أنها تجربة لمعنى الحب في حكمة المحبوب الذي استخلفنا فيها
العفريت: أفهم أن الطريق للوصول إلى المعنى هو ما قد يختلف؟…
السيد: يبدو لي أنه كذلك… دعنا من هذا الآن، لدي شوق لمحبوبٍ قديم
العفريت: أنا آتيك به…
السيد: لا… لا… عليّ أن أذهب حاملًا نفسي بكليتها إليه.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *