
الموهوم بالنبوة
.
.
يتدافع الهواء من جهاز التكييف بقوة مبهمة على غير العادة، يسقط القلم من الطاولة وتتبعه ورقة وأخرى، يدور بهم الهواء كما تدور الدوامة الترابية، دوامة ورقية، مشهد يوحي بعودة العفريت الذي يسكن القلم، يمسك الكاتب بالقلم، وعلى مسند الكتابة يسند الأوراق، ويكتب ..
الكاتب: لست في مزاج جيد، فماذا لديك؟
العفريت: لدي قصة قد تحسن في مزاجك شيئًا
الكاتب: ما الذي تود أن تُخبر به؟
العفريت: أود أن أقص عليك قصةً عشتها في حقبة من حقبات حياتي
الكاتب: هات ما لديك
العفريت: حسنًا، كنت في عالم من عوالم الجن على مشارف أن أكون نبيًا مُرسلًا، لم يكن أحد قد أبلغني ذلك، ولكني شعرت بحقيقة الأمر ملء وجودي، فبدأت بتحضير نفسي لحمل الأمانة وتأدية الرسالة، فرحت أطوف في كل الأراضي والسماوات، أسافر عبر الأزمنة لكل الحضارات، أنتقل بين عرش وعرش مهيئًا نفسي لفهم أنفس الموجودات لأكون قادرًا على الحديث بلغتها واستنطاق الحق فيها.
الكاتب: ماذا حدث بعد ذلك؟
العفريت: بعد أن انتهيت من تحضير نفسي جيدًا، كنت انتظر أن أحمل الأمانة لأؤدي الرسالة، ولكني شعرت بأن الوقت قد طال بي دون ذلك، فحدثتني نفسي أن أبادر لمحاكاة احتمالات النبوة التي سوف تُمنح لي مهما طال بي الزمن.
الكاتب: وماذا فعلت حينها؟
العفريت: كنت مارًا على قومٍ فصحاء اللسان لديهم قوةٌ في الحجة والبيان، ولكنهم في رؤيتهم للحياة وتعاملهم معها يميلون لشيء الهيمنة المتطرفة والعنصرية، فحثتني نفسي للظهور فيهم لعلي أدعوهم للوسطية، فارتديت جسدًا من أجسادي فيه سمات العزة والوقار، وفي ملامحه ما يخفي غموضًا وأسرارًا، ودخلت مجلسًا يجتمع فيه رؤوس القوم الكبار فألقيت التحية وردّوا بأحسن منها.
الكاتب: أكمل …
العفريت: كنت قد نسيت قبل دخولي أن أختار لي اسمًا يكون له حضور، وعلى مسامعهم يكون له قبول، فسألوني عن اسمي.
الكاتب: وماذا قلت؟
العفريت: قلت إن اسمي هو طهمان بن طيمراد بن طمطم بن طاطا بن طوطا.
الكاتب: وما الذي حدث بعد ذلك يا طهمان؟
العفريت: لقد اعتبروني كجائزة ينبغي أن يُظفر بها، فكلُ واحدٍ منهم يريد أن يتولى القيام بواجب الضيافة، ولكن أحدهم وكأنه عفريت من عفاريت الإنس لم يدعني وشأني، فطلب أن أعيد ذكر اسمي، فأعدت الاسم: طهمان بن طيمراد بن طمطم بن طاطا بن طوطا، وطلب أن أعيده ثالثةً.
الكاتب: وهل أعدته ثالثة؟
العفريت: نعم، ولكنني ارتبكت وأخطأت بذكر اسمي عند تكراره للمرة الثالثة، فقال: لا أرى أن الكاذب قد يكون مستحقًا لواجب الضيافة، ومال بعض من في المجلس للوقوف موقفه.
الكاتب: وكيف خرجت من الموقف؟
العفريت: لم أخرج بل دخلت بكل ما لدي، فرددت عليه: “ويحك، أتكذب من سيكون نبيًا من أنبياء الله؟” عندها ضحك الجميع ضحكات كادت أن تُصدع بأثرها جدران المجلس، فاتفقوا على أن فيّ مسًا من الجنون، وألقوا عليّ صُرة من النقود وطلبوا مني الذهاب من حيث أتيت.
عن الضحك يتمالك الكاتب نفسه: آسف لسماع هذا، ولكن ماذا حدث بعدها؟
العفريت: خرجت بصُرة النقود فرأيت امرأة جميلة تسير في الطريق، قلت في نفسي: هي أحق بهذا المال مني، فأنا راحل عن هذا المكان بل وعن هذه الأرض التي لم يصدق باحتمالات نبوتي أهلها.
الكاتب: وهل أعطيت المرأة صُرة النقود؟
العفريت: حاولت ذلك ولكنها ظنت أني أعرض عليها شراء جسدها، فنادت بالمدينة واجتمع عليّ أهل المدينة، ففزعت من ذلك وصحت بهم: يا قوم، ويحكم، أتشككون بالموعود بالنبوة؟ فكيف لي أن أشتري الأجساد الفانية؟ وكان آخر ما سمعته في ذلك الجسد، صوت سيف يُخرج من غمده ورجلٌ يقول: “دعوني أريحه من جنونه”، فقطع رأسي وخرجت من ذلك الجسد آسفًا على ما حدث، محرمًا على نفسي الأجساد.
الكاتب: وماذا عن النبوة؟
العفريت: أوهام طارت كما طار ذلك الرأس.
الكاتب: وماذا صرت بعد ذلك؟
العفريت: صرت أسافر عبر الأزمنة، أسكن الآلات الموسيقية والفرشاة والأقلام، وأشارك بعض من يحبون الفن بعض الجمال والإلهام، وهذه هي كل القصة.
الكاتب: قبل أن ترحل هل تعيد ذكر اسم النبي الذي كنت ستكونه؟
العفريت: طهمان بن طيمراد بن طمطم بن طاطا بن طوطا

اترك تعليقاً