
يا راعي الإبل… لا يزالون بيننا
قبل خلق آدم، وعند إخبار الله للملائكة بأن في الأرض سيكون هناك خليفة، كان في محاولة الاستفهام من الملائكة شيءٌ يصف الطبيعة الغالبة على من سيوجد في الأرض:
“أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟”
قال: “إني أعلم ما لا تعلمون.”
لم ينكر الله سبحانه ما قالته الملائكة عن طبيعة من قد يُستخلف في الأرض، ولكنها حكمته الخفية سبحانه.
ولا حاجة لاستحضار مشاهد الفساد وسفك الدماء في الوقت الحالي، فهي تحدث في كل عام، ويصعب التأمل فيها وتحليل أسبابها؛ حيث تأتي من دوافع كثيرة. ومن الأفضل لمن أراد التأمل في تلك الطبيعة التي وصفتها الملائكة بالمفسدة والسافكة للدماء، أن يعود للتاريخ، حيث يكون من الأسهل التأمل في الفساد والرغبة المتجذّرة في النفس لسفك الدماء، وذلك لعدم شيوعه كما هو اليوم.
ومن قصة النفر من إحدى القبائل الذين جاؤوا إلى الرسول ﷺ يشكون حُمّى تصيبهم، وعدم قدرة أجسادهم على التأقلم مع أجواء المدينة، فوجههم صلى الله عليه وسلم إلى منطقة فيها إبل للصدقة ليشربوا من ألبانها. ولما ذهبوا وفعلوا واستشفَوا، غدروا براعي الإبل، ففقعوا عينه وقتلوه، وسرقوا الإبل وهربوا.
نجد أن في ذلك الموقف تتجلى حقيقة المعلومة التي لدى الملائكة، والتي بناءً عليها قاموا بالاستفهام:
“أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟”
أما أولئك النفر، فقد فعلوا ما فعلوا ليثبتوا لنا إحدى الحقائق التي تتشبع بها النفس الإنسانية التي استخلفت في الأرض.
وبعد أن أرسل الرسول ﷺ سرية للقبض عليهم وتنفيذ حد الله فيهم، بعد نزول الآية فيهم:
“إِنَّمَا جَزَاءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا۟ أَو يُصَلَّبُوا۟ أَو تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَو يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ…”
وبالتأمل في ما يخص السعي في الأرض فسادًا، فأنا لا أتصور أن الفساد يقتصر على ما قام به أولئك النفر، بل له أشكال نراها في هذا الزمان تتسع بشكل لا يمكن إدراكه أو احتواؤه.
فمن الفساد: إفساد العقول، والنفوس، والقلوب. والمشاعر، وهذه، إن فسدت وتلوثت، عاد الإنسان ليكون في إطار ما وصفته به الملائكة: “مفسدًا وسافكًا للدماء.”
قد تجد نفسك في يومٍ تود الخير للآخرين، وتسعى إليه، وتقف على خدمتهم لينالوه، ولكن تذكر راعي الإبل… ذاك الذي كان يرعى الإبل ويخدم من وجّههم رسول الله إليه، تذكره جيدًا كي لا تجد نفسك مقتولًا ومُمثّلًا بك في نهاية القصة.
ذلك قد يحدث حتمًا إن نسيت طبيعة هذا المخلوق الذي استخلفه الله في الأرض، والذي من طبيعته الإفساد وسفك الدماء. وقد لا يكون قتلًا حقيقيًا، بل قد يكون قتلًا معنويًا، أو شعوريًا، أو نفسيًا. وأنواع القتل كثيرة، يعرفها من سلموا أنفسهم لغرائزهم المتعطشة وسوء ظنونهم، وصاروا مطيّةً لكبريائهم.
وإن كان ولا بد، وفي روحك نداءٌ للبذل والعطاء، وقد اختصك الله بهذه الخاصية: أن تساعد الناس بكلمات رحيمة، بمواقف حسنة، بدفاع أو دعم، ومشاعر صادقة، وتخفف عنهم في ذلك، فلا تبالغ فيما تعطيه حتى تراهم في خير، ولا تبالغ فيما تخافه عليهم ليتجنبوا الشر.
وعندما ترى مبتلاهم ومصابهم، فقل: “سبحانك، أنت الأعلم بأحوالهم وبما فيه صلاحهم.”
فكم من إنسانٍ أُحسن إليه، ولم يظهر منه من بعد ذلك الإحسان الذي قُدم إليه إلا الشر.
وكلنا ذلك الإنسان الذي يحتاج إلى التأمل بما في نفسه من ظُلمات وغرائز وطبائع وسلوكيات، ويعمل على تزكيتها.
يا راعي الإبل… لا يزالون بيننا فاحترس

اترك تعليقاً