
في صباح الجُمعة التي وقفت فيها أمام المرآة للحلاقة، تذكرت للمرة الثانية وصية أحد زملاء فيكتور إميل فرانكل أثناء تواجده في معسكرات الاعتقال النازية والذي تحدث عنها في كتابه (الإنسان والبحث عن المعنى) حينما تسلل ذلك الزميل من مخيم إلى آخر ليوصيهم بالاستمرار بحلق ذقونهم بالأمواس أو بأطراف الزجاج الذي قد يجدونه حتى لو اضطروا لاستبدال طعامهم القليل بشيء يمكنهم من الحلاقة فعليهم فعل ذلك، (عليهم أن يبدون دائمًا صالحين للعمل حتى لا يكون مصيرهم القتل في غرف الغاز). كانت المرآة لا تعكس ابتسامتي المتعاطفة عندما تذكرت تلك الوصية للمرة الثانية ولكنها كانت موجودة هناك في بُعدٍ لم يعد الظهور فيه كل شيء، وبينما كان معنى الحلاقة بالنسبة للكاتب في تلك المرحلة هو محاولة النجاة من احتمالات القتل كان المعنى بالنسبة لي أكثر حظًا ورحمة وهو التجمل قبل الذهاب لصلاة الجمعة.
كتاب “الإنسان والبحث عن المعنى” في جزئه الأول سرد لتجربة المعاناة ومقاومة الموت من خلال إيجاد المعنى، تحدث فيها المؤلف عن تجربته في معسكرات الاعتقال النازية وما واجهه وشهده من معاناة، وعن وقفاته التأملية في مشاهد وتأثير السجون والمُعتقلات على النفس الإنسانية ومحاولة إيجاد المعنى وجعله بمثابة الروح الباعثة للتمسك في الحياة، وفي جزئه الثاني حديث عن العلاج بالمعنى وتأثيره وأثره على من لم يجدوا في المدارس النفسية الأخرى من علاج ينتهي بهم لقبول معاناتهم وتجاوزها.
لا يغيب عن ظني أن المؤلف بحكم تخصصه العلمي اجتهد لتقديم الكتاب بطريقة يكون فيها مراعيًا لأولئك الذين قد ينفرون إن وجدوا أن إيجاد المعنى لا يمكن أن يكون بعيدًا عن الدين والتدين فلم يذكر كثيرًا أهميةً لذلك إلا أنه يمكن لمح إيمانه بأهمية الدين والتدين لإيجاد المعنى من خلال سرده.
كان في حديث د. فرانكل عن “معناه” في ذلك الوقت ودافعه لعدم الاستسلام للموت والإصرار على النجاة، ما يحمل شيئًا من الجمالية الباعثة لنوع من ابتسامات الرحمة، وقد يكون فتح الباب لغيره للبحث عن المعنى وإيجاده خارج إطار وجوب عيش المعاناة لتحقق ذلك، فسرد بلغة وأسلوب جميلين عن كونه وجد معناه في حبه لزوجته وتوقه للقاءها مجددًا والذي لم ينحصر بكونه دافعًا فقط لإيجاد معنى للتمسك بالحياة والأمل بها في ظل الموت الذي تطغى لغته في معسكرات الاعتقال، بل كان مُسهمًا بصورة ما بالتمسك بالأخلاقيات والقيم ومقاومة الانزلاق بالكثير من أشكال الانحطاط الأخلاقي الذي يمكن أن يستسلم الإنسان لها في ظل تواجده في تلك البيئات، كما كانت تطلعاته لإكمال كتابه وربط ذلك كله بتصورات وصور مُتخيلة عن احتمالات مستقبلية سيعيشها معنىً ساهم في نجاته إلى جانب الحظ الذي رافقه.
وعلى الرغم من كون الكتاب جاء بالكثير من الصور التي يمكن تأملها إلا أنني قرأت أو أكون هكذا شعرت بأن الدكتور من خلال بعض سرده نظر لسلوك بعض زملاؤه المساجين وقراراتهم بشيء من اللامنطقية مفترضًا كونهم متساوين بالحظ الذي يمكنهم من رؤية أن هناك معنى يمكن مقاومة الموت لأجل عيشه، فليس الجميع يحملون تاريخًا متساوين فيه في حظوظهم وليست القيم الإنسانية واحترام الآخر وتجربة العلاقة الزوجية والطموحات العلمية والمهنية وغيرها حافزًا ودافعًا للتمسك بالحياة في كل تجربة شخصية، بل قد تكون دافعه للشعور باللاجدوى والعدمية، ومن ذلك نجد أن حرصه على عدم تحويل الكتاب إلى كتاب يحمل لغة تبين أهمية الدين والمعتقدات الدينية في إيجاد المعنى وتحمل الإنسان لمسؤولية اختياراته ينتهي إلى ما قد لا ينجي من الإيمان باللاجدوى والعدمية برأيي، نعم قد يكون ذكر أهمية تحمل مسؤولية الإنسان لقراراته وإيجاد معناه حتى في ظل معاناته، إلا أن كون عدم ارتباط المسؤولية ونتائجها ببعد ديني متصلًا بوعد بالنعيم والخلاص الأبدي يكون الإنسان فيه مؤمنًا أن نتائج قرارات وجوده المؤقت وسيره نحو المعنى وتمسكه به تمتد لتنتهي به خارج محدودية تجربة حياته المؤقتة قد يكون مما يضعف كل المعاني التي يحاول الإنسان إيجادها وتبنيها وينتهي به إلى فقدان المعنى.
وختامًا قد يجد من يقرأ الكتاب ويسمح لنفسه بالتأمل فيه قدرة على أن يستخرج ما يمكن أن يعينه على إيجاد معنى يضيفه إلى جدول روتين أعماله اليومي ليذكر نفسه دائمًا أنه في كل خطوة يخطوها يكون بها على اتصال بغاية ومعنى أسمى، وبالنسبة لي فأؤمن أن كل تجارب الحياة ومنتهاها تنتهي عند حقيقة واحدة تحمل معنىً واحد، حقيقة أن كل إنسان في سفر طويل وشاق ودائم نحو المعنى المرتبط بالغرض من وجوده وهو المعنى الذي قدره الله سبحانه “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” وأن كل ما يختار الإنسان البحث عنه ليتبناه ويتجه نحوه هو نوع من الشوق المجهول أو الغير مُعلن أو الذي لم يتم استيعابه بعد للعودة إلى حيث يكون توحيد الله وحبه ورضاه هو الغاية والمعنى والخلاص من تجربة الحياة والبحث عن المعنى.
