
الأيام لـ طه حسين | ذوقيات ومفضلات
كنت قد انتهيت خلال الأيام الماضية من قراءة السيرة الذاتية للدكتور طه حسين في كتاب «الأيام» بأجزائه الثلاثة، وأحببت في هذه التدوينة أن أنظر لما علق في ذهني من تلك القراءة، واستقر من أثر في عاطفتي بعد مرور هذه الأيام.
وأود في البداية أن أشير إلى أن هذا الكتاب هو أول ما قد قرأته من مؤلفات الدكتور، وأول ما قد تكوّن في ذهني عنه، فلم يسبق ذلك قراءات له ومعرفة به، وليس لي من قراءات كثيرة في السير الذاتية والأدب العربي، وقد يكون آن الأوان للإبحار في عوالم السابقين، والاستمتاع بما ورثوه من أدب وفكر وفن وإبداع، والتأمل في تجاربهم وأساليبهم.
وفي كلمات كتاب «الأيام» أجدني قد قرأت الإنسان الشاهد على تجربة وجوده، والمشارك لملامح عاطفته، والناقل بصوته الحاضر على هيئة كلمات عن ذكريات حضوره في عالم الأنفس والمادة، أكثر من حضوره في الأماكن والصور.
وما أجده يحضرني الآن عالقًا في الذاكرة ومؤثرًا في العاطفة هو ما ذكره الدكتور من ذكرياته وأحداث حياته التي جاءت بعد مقدمة تُعرّف بملامح شخصيته ومستوى حساسيته في طفولته المبكرة، حينما أفقده الموت أخًا مقربًا له، محمودًا ومحبوبًا لدى الجميع، وما حاول أن يتكفل بالقيام به بالإنابة عن أخيه الراحل من صيام وصلاة كان يظن أن أخاه قد قصّر في تأديتها دون علم أحدٍ من أهله.
أجد أن الدكتور طه، في سرده لتلك الذكرى، قد صوّر الفراغ الذي تتبدد فيه شخصية الإنسان الطفولية الحالمة، وتعود لتتصالح مع واقعية الحياة واحتمالات الخسارات وحتمية الموت، مما يربي الإنسان على الرضا والصبر وإكمال المسير.
وقد كان في ذكره لبعض ما وقع في نفسه أثناء بعثته لإكمال الدرجة العالمية، كما سماها، وما اضطر إليه بسبب ضيق الحال واضطراب الأوضاع السياسية، وما واجهه بعد أن شارف على إتمام وبلوغ نجاحه الخاص الذي كانت ملامحه قد تعرف عليها وقارب على الاعتراف بها الجميع، من أفعال قام بها أحد إخوته، والتي كانت برأيي مدفوعة برغبة خفية من أن يحط من شأن أخيه دون وعيٍ منه بحقيقة دوافعه؛ فما أقبح أن يكون للإنسان الطموح مُحبٌ جاهل، ولا يتغير في اعتقادي وإيماني بأن الجاهل قد يفعل حينما يحب مثلما يفعل حينما يكره.
ولا أود أن أسرد ما قام بفعله ذلك الأخ كي لا أفسد متعة القراءة والاستكشاف للراغب بقراءة تلك السيرة.
وقد يكون مما افتقدت قراءته في السيرة هو الرجوع للحديث عن طبيعة رؤيته للحياة والعلاقات بعد تحقق الرغبات وبلوغ الطموحات وما جادت به الحياة من النعم، وكيف أصبحت عليه علاقاته بأولئك الذين كان لهم الأثر في حياته خارج مساحات وقاعات التعليم، وما كانت عليه علاقته بمؤلفاته. تفاصيل إنسانية كثيرة كنت أترقب الوصول إليها، إلا أنه لم يكن لها حضور.
وقد يكون الانخراط والاختلاط أو التصادم مع أهل الفكر والصحافة وأصحاب الرأي والسياسة أشغل عن رؤية الجمالية في الاسترسال بالحديث عن مثل تلك التفاصيل، وقد يكون البيت الذي ختم به السيرة:
«وما أنا بالمشغوفِ ضربة لازبٍ
ولا كلُ سلطانٍ علي أميرُ»
يعطي ذلك التصور عن احتمالات أن هناك نوعًا من المنغصات كانت تتبع ذلك النجاح لتجعله مُطوعًا ومطواعًا لها.
إلا أنني آمل أن يكون الوصول للحب، أو وصول الحب إليه، هو ما أغناه عن الإسهاب والانخراط في سرد التفاصيل؛ فالحب أحيانًا يجعل الإنسان فياضًا، وقد يغنيه عن الإسهاب في أحيانٍ أخرى، وقد يحمل الإنسان ليكون وقورًا متهيئًا للرحيل إلى الحب الأسمى.
وفي ختام هذه التدوينة، التي كانت بمثابة احتفاء بعودتي لعالم القراءة الذي انقطعت عنه لسنوات، أود أن يشاركني القارئ بما يراه يستحق أن يكون من ضمن قائمة ما ينبغي قراءته من مؤلفات الدكتور طه حسين، أو من سيرة ذاتية لكاتبٍ لديه في الحياة تجربة قد أظهر شيئًا من فنه في سردها.
تحياتي

اترك تعليقاً