كنت قد بدأت قراءة كتاب فيكتور إميل فرانكل «الإنسان والبحث عن المعنى»، والذي يحكي فيه تجربته في معسكرات الاعتقال النازية والتعذيب والتبلد المشاعري الذي قد يصل إليه الإنسان، ليصبح، رغم وعيه وتوسعه المعرفي ومنزلته العلمية، متبلدًا مشاعريًا كنوع من الحماية الذاتية من فرط تعرضه ورؤيته لما يحدث حوله من مآسٍ. ولأني لمست في نفسي شيئًا من التبلد وعدم التأثر فيما وصلت إليه من قراءة ينقل من خلالها الكاتب صورًا لما عايشه وعاناه وشهده، فقد آثرت التوقف، متحسبًا الله على كل ما فعلته وتفتعله الدول المعادية والغاصبة من إجرام قاد ما بقي فينا من عواطف إنسانية محبة ومراعية لتصل لمثل ذلك التبلد وتموت في مقابر الاعتيادية.

والإنسان، في سعيه للوعي وبما لا بد له أن يعيه من حقائق وأوجه الحقيقة في الحياة، يدرك أنه لا يصح له بأن يكون غير عادلٍ مع نفسه، فيحملها ما لا تطيقه، جاعلًا ما بقي له من أعوام أو أيام مشحونة بالتعاطفات التي تنتهي به للغرق في السلبيات بما يفوق قدرة تحمله. فالانشغال بالتعاطف قد ينتهي بالتبلد، وقد يدفع في بعض الأحيان للتحرك ليكون الإنسان فاعلًا، وقد يجعله في النادر من الأحيان منشغلًا بالجماليات، مهندسًا لها.

وعلى ذكر الهندسة، ففي محاولةٍ مني للخروج من التبلد الذي كان من نتائج الإفراط بالتعاطف مع أشكال معاناة الآخرين، ما قد دفعني لممارسة الهندسة، ولكنها ممارسة لنوع مختلف منها؛ تلك التي تمثل أحد أشكال ومظاهر ولغات الحب، والتي جاءت من المطبخ الفلسطيني الذي جاءنا بـ«المقلوبة» كأحد أجمل نتائج مخرجات إبداع هندسته.

والحديث عن «المقلوبة» لا يأتي كمحاولة لإيجاد السلوى والعزاء في الحديث عن الغذاء، إنما يأتي حديثي عنها بعد أول تجربة لإعدادها؛ الأمر الذي مكنني من رؤية أن هناك فنًا من فنون الحميمية الغذائية قد تم ابتكاره ولا بد من الحديث عنه.

والمقلوبة، كما رأيتها عن قرب كشخص قام بتجربة إعدادها، قد تكون من أجمل الوصفات التي جاءت بتنوع المقادير وهندسة التحضير ودمج النكهات. وقد يكون من المستحيل أن تتحول مثل هذه الهندسة لسلعة فتباع كمنتج غذائي يلقى نجاحًا ورواجًا حقيقيًا، لأن السلع والمنتجات يتم تقديمها بناءً على ما يمكن حسابه وما سيأتي كعائد منها في عالم الأرقام.

أما المقلوبة فلا يمكن تقديمها كسلعة أو منتج، لأن الدافع لإنتاجها، برأيي، هو محاولة تقديم نوع من الحميمية للتعبير عن الحب ومشاركته. لذا فإن العائد على الاستثمار فيها قد يكون مما يمس جماله الحواس، فيعلق في الذاكرة وتتحرك بذكره العاطفة.

ولكن بلا شك أن تلك الهندسة تنتهي بالفرد أيضًا لرؤية الأعراض الجانبية بعد الخوض فيها والتعاطي معها، ومن أعراضها المحسوسة والملموسة زيادة فاعلية الجاذبية الأرضية وتضييق ما كان واسعًا، إلا أنه يمكننا اعتبار أن ذلك الضيق هو أحد أشكال فيض الإثراء والثراء الذي يقدمه الحب.

والحب الذي يضيق واسعًا بشكل دائم لا بد أن يتنبه إليه الإنسان، فهو قد يقوده لتضيق به الحياة أيضًا.

دمتم على الدوام مغمورين بحب دسم يحيي القلوب ويبهج النفوس ويملأ الأبدان.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظة © بدرائيليات | بدر المانع
لا يجوز نسخ أو إعادة نشر المحتوى أو استخدامه دون إذن مسبق.