
لم تكن الحياة لتترك من استخلف فيها دون ميراث، كما لن تتركه بدون تجربة تنتهي به إلى أن يكون مورثًا، فالثراء حقيقة حاضرة في الحياة، وإعجاز وجوده حاضر في الحكمة التي تدير الجسد، والتي أودعها الله سبحانه ليستكشف الإنسان من خلالها شمولية تلك الحكمة، وأن ما يدب في الجسد من حياة ويحدث فيه من تفاعلات لا يمكن أن يكون منعزلًا أو غير منسجم مع ما ينبغي أن يحدث في العالم الذي يجد الإنسان نفسه فيه.
ولا زلت أذكر شيئًا من اندهاشي فيما قرأته بين ثنايا صفحات كتاب «المورثات الخارقة» وكتاب «الدماغ الخارق» لـ د. ديباك شوبرا ود. رودولف تانزي، ففي هذين الكتابين اللذين آمل أن أعود لقراءتهما ما يُذكّر الإنسان بانتقاء مساراته والانتباه لتفاعلاته.
وما أجده عالقًا في ذاكرتي بعد هذه السنوات هو ما تم ذكره حول «حكمة الخلية»، وكيف أن الخلايا الحية يميزها سلوكها الخاص الذي ينطلق من دافعية محبة، فتتفاعل وتشارك وتمرر ما لديها لبقية الخلايا، وتنتهي بتوريث ما لديها وتدمير ذاتها، أو ترسل إشارات لذلك في حال قاربت على الشيخوخة التي تعيق ديمومة حيوية بقية الخلايا.
فالخلية الحية تعرف ما الذي ينبغي عليها فعله ومتى ينبغي أن ترحل، وعلى عكس ذلك يكون سلوك الخلايا الضارة أو السرطانية التي تسعى للهجوم المستمر الذي يكون فيه محاولة لتدمير كل ما يدعم ديمومة لغة حب الحياة التي تتشاركها خلايا الجسد ومحاولة تدمير الحكمة التي تديرها.
ويمكننا من خلال التأمل في سلوك الخلايا النظر إلى ما ينبغي أن نُذكّر به أنفسنا، ويكون عليه تواجدنا وتفاعلنا وسلوكنا، وما ينبغي أن نتخذه لوقايتنا من الانزلاق نحو مسارات تؤدي لتبني سلوكيات ضارة مدمرة قد لا يكون في حصادها إلا البؤس والسوداوية، وليس في ختامها إلا مواجهة العدمية.
كما ينبغي أن يتفطن الإنسان إلى تقويم نفسه وتحصينها حينما يراها في مواجهة ما يشبه تلك الخلايا الضارة التي قد تأتي على شكل أفكار أو وساوس أو مشاعر أو شخوص وبيئات يكون شغلهم الشاغل تعطيله عن ما يعرف أن عليه فعله أو تشكيكه فيه، فمن يحاولون أن يقضوا بالأمر حول ما يخص الحياة وكيفية التعاطي معها قد يكونون ممن قضى على كثير من الحيوات قبل ذلك، دون علم منهم بأن اللغة التي يستخدمونها ويشاركونها هي لغة الموت.
ولعل الإنسان أن يُذكّر نفسه بأن ليس كل نجاح قد سعى الآخر إلى الوصول إليه يكون دافعه هو ذلك الحب القديم الذي يسكن خلايا جسده ويدب فيها، فيحفظ نفسه من وقوعٍ بإعجاب زائف بالآخرين، ويقيها شر الاصطدام بحقائق تلهيه عن ما ينبغي أن ينشغل بالعمل به والسير إليه.

اترك تعليقاً