
الكتابة عن الخير والشر
قد يظن بعض من لم ينغمس في تجربة الكتابة، أن الكتابة عن الخير والشر تعني أن الكاتب يكتب عن تجاربه الإنسانية، ولكن الكتابة لا تعني ولا تُعنى بذلك بالضرورة، فالكتابة «عن الخير والشر» بحسب ما أراه تأتي كفعل تأمل وتفكر فيما ألهم الله به النفس الإنسانية من فجور ليلجم الإنسان نفسه عنه ويتقيه، وبما ألهمها من صلاح وتقوى ليهتدي إليه.
وذلك لا يعني أيضًا سلامة الكاتب من احتمالات التقلب بين الخير والشر الذي يتأمله ويتفكر به ويكتب عنه، وليست دلالة على شر محض أو خيرية محضة، وقد تكون الكتابة حجة على الكاتب في أحوال كثيرة، حيث إن من يقتفي أثر الإنسانية ولا يسير على أثر خُطاها التي تقود إلى الخير، ويركن إلى ما يرتاح إليه غروره وكبره، ويعجزه أن يقود تلك النفس إلى ما يرضي ربه ويرتاح ويطمئن إليه قلبه، فقد يكون أشر مما قد تأمل به وعرف عنه، فيكون عَلِمَ ولم يعمل بما عَلِمَ ليزكي نفسه، وقد ذم الله بعض من اهتدوا إلى العلم ولم يعملوا به، وهو سبحانه ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
وقد تكون الكتابة عن «الخير والشر» فيما يمس باطن الإنسان وما قد يتلاطم داخله، شيئًا حساسًا حينما يقرأه القارئ أو يستمع إليه المستمع، فيكون له وقع الصدمات المعرفية التي تأتي من خلال ما يمكن تسميته بالزوايا العمياء للإدراك، ولا شك أن تلك الصدمات المعرفية يكون فيها ما يكون من ثقل على الإدراك وعبء على النفس التي تريد أن تكون ذات طبيعة سليمة متخففة من عبء النظر في بعض الحقائق الباطنية.
والإنسان الذي يكتب ولديه من الحظ ما ليس لدى غيره من لغة تمكنه من قراءة كتاب الله والتأمل والتفكر فيما جاء فيه وكُتب عنه، يكون من المتمم لإيمانه تقبل الصدمات المعرفية التي قد تُثقل على النفس، ولكنها تمنحها الخلاص من الآمال الزائفة، فتكون النفس الإنسانية معلومة الملامح لديه، والتاريخ الإنساني يعيد نفسه أمام عينيه ولو تفننت الحضارة الإنسانية بتغيير ملامحها أو بتجميل صورتها، وذلك مما قد يعينه على جعل نواياه وآماله وأعماله في الحياة موصلةً له لاستحقاق الرحمة والحياة الحقيقية التي تأتي فيما بعد هذه الحياة.
وفي الختام، أرى أنه قد تكون العودة لقراءة ما جاء في المقدمة ختامًا جيدًا.
اترك تعليقاً