
إسقاط قالب القدوة الصالحة | تدوينات وتأملات
في هذا الصباح الذي أشرقت فيه الأرض بنور ربها، كنت قد هممت بالتأهب للخروج والذهاب إلى النادي الرياضي لأحسن لهذا الجسد بتحريكه وأسقط عنه ما يُمكن إسقاطه، وإذا بثقلٍ مباغت من نوعٍ غير جسدي، ذلك الثقل من النوع الآخر، ذلك الثقل الذهني الذي تشعر بكونه موجهًا من قبل الآخر، معكرًا لشيءٍ من صفاء وخفة الروح فيك.
ورغم كون ذلك الثقل يمكن إسقاطه بسهولة أو تجاهله والانشغال عنه، إلا أنه قد يكون من أهم ما ينبغي التأمل فيه لرؤية ما يمكن تحليله وإعادة بنائه وتدويره، ليكون فيه ما يساهم في إسقاط الدافع لدى الآخر بأن يشق على نفسه محاولًا إثقال الآخرين بما يظنه مُغلفًا ومدفوعًا بمشاعر الحب، بينما يكون في حقيقته مُغلفًا ومدفوعًا بشيءٍ من الخوف والغضب والرغبة في تولي زمام السلطة والوصاية؛ لقيادة وإلزام إنسانٍ غيره ليكون صالحًا في منظوره الخاص، سائرًا على نهج ومنهج السلف الصالح في منظور المجتمع العام، ليسلم من احتمالات السقوط في الشعور بالعار الذي قد يتسبب به الآخر بحكم صلة أو قرب.
والحقيقة التي أجدني مرتاحًا لها، حامدًا الله عليها، أنني أحد أولئك الذين يحملون قناعات قديمة تسبق تجربة وجودهم، قناعات واضحة الملامح. فمنذ الطفولة المبكرة، كانت ملامح وجه تمردي بأنني لم أكلف نفسي القيام بهضم كثيرٍ من المصطلحات والمسميات، وأمنع نفسي عن بعض ما يُرى بأنه من العيوب والمحرمات الموجبة للعذاب، والتي لم يأتِ التصريح بحرمتها في القرآن الكريم أو الإجماع على حرمتها من قبل أئمة المسلمين.
ولا أود في هذا أن أتحدث عن نفسي بقدر ما أود الحديث فيه عن “قالب الصلاح” الذي يسعى لصناعته كل شخص يحمل خوفًا من أن يقع أحدٌ بتكرار الأخطاء التي ارتكبها خلال تجربته الحياتية المبكرة، فيقوم بتصميم “قوالب للصلاح” وهندستها مبكرًا ليصب فيها كل امتدادٍ إنساني يأتي من خلاله.
وحينما أصفها بكونها قوالب، فذلك لإيماني المطلق بأن: “كل ميسر لما خُلق له”، وكل تيسيرٍ في هذه الحياة هو تدريجي ومرحلي، لا أبدي ممتد بامتداد تجربة الإنسان، وإلا لكان الإنسان يعيش محكومًا بمشاعر العدمية والقهر والغربة الوجودية.
ولا يمكن للإنسان معرفة ما يُسر لما خُلق له في ظل تمسكه بالقوالب، ولا يمكن أن يستخلف من بعده ذريةً صالحة حقيقةً من خلال تشكيلهم في قوالب الصلاح الذي يراه مثاليًا أو يراه مجتمعه كذلك.
فالطريق والمقصد إلى الله في هذه الحياة مرتبط بما يُسر للإنسان العمل فيه، وما مُدَّ له فيه من قدرات وعطايا وهبات، وما اختبر فيه صبره من تعثرات وابتلاءات.
أما الصلاح فهو الرحلة الطويلة بين الخطأ والصواب، واحتمالات إعادة تكرار ذلك الخطأ والصواب، حتى يعي ويتصالح الإنسان مع حقيقة عدم براءته وكماله وملائكيته، ويتصالح مع تقاطع نوره وظلاله، ويرتاح لذلك التقاطع، ويوظفه بما يحقق له نفعًا في أمور دينه ودنياه.
وبذلك قد تبدأ ملامح الصلاح الحقيقي، ويصدق الإنسان بالتوبة التي يحبها الله، فلا تكون التوبة مدفوعة، معلنة بالظاهر، منكرة وملعونة في الداخل، محكومة ومدفوعة لصناعة ما تتشكل به السمعة، وتمتد به العادات، وتحتفي به التقاليد والأعراف الاجتماعية التي يحب أن يتوارثها الناس.
وهذا الحديث عن “إسقاط قوالب القدوة الصالحة” غير آتٍ من كراهية للصلاح والصالحين، أو تفريغٍ لكبت، أو تمردٍ على إلزامٍ قديم، بل من محبةٍ للصلاح والصالحين، ومحبةٍ لأن يكون كل إنسان مرتاحًا بكونه مهما كان وأينما كان، مدركًا لكونه أقرب للصلاح، وأنه في طريقه إلى ربه حاملًا الأمانة، مؤديًا الرسالة، منتهيًا بمشيئة ربه إلى وعيٍ وهداية تجعله من الصالحين في ميزانه سبحانه.
وفي هذا الحديث أيضًا دعوة لقراءة ما بين السطور، ولعل الإنسان أن ينشغل بحمد الله على ستره عليه وألا يغتر بتجربته أو تغره يقظته وتحليلاته وقراءاته وفطنته وما يظن أنه عليه، فيتجرأ على الآخرين بالإسقاطات والأحكام، أو بمحاولة تضييق الخناق عليهم بالمضايقات والتدخلات والواجبات والإلزام، معتقدًا بأن ما يقوم به دافعه المحبة، غير مدركٍ بأن في فعله ما قد يساهم في امتداد صناعة أفرادٍ مكبوتين بارعين في إخفاء كفرهم ونفاقهم وعدائيتهم وحسدهم وأحقادهم، لا قادرين على أن يكونوا أسوياء نفسيًا ولا متسامين إنسانيًا.
إسقاط “قالب” القدوة الصالحة قد يجعل البعض يشعر بالهلع، لأنه قد لا يؤمن بأن عين الله ترعى الجميع، ومشيئته في الهداية والإضلال فوق مشيئة الجميع. وقد لا يصدق بكون الصلاح والهداية تمر باختبارات واختيارات قلبيه لأنه لم يقتطع من أعوامه أعوامًا يتعرف فيها على ما اختبره قلبه وما انتهى لاختياره.
نسأل الله أن يهدينا لأنفسنا ولما فيه خير وصلاح لنا.
وفي ختام هذه التدوينة والتأمل، قد يكون العودة إلى الواقع والتوجه إلى النادي الرياضي حدثًا من أحداث اليوم لإسقاط شيءٍ من الثقل، ولكنه لم يكن التوجه الأول.
صباحكم خفة وتوجه لما فيه خفة، ويومكم سعيد.

اترك تعليقاً