مطالب النفس

مع كل شروق تستجد مطالب النفس من هذه الحياة، ولأن الماء فيه سر الحياة لكل الأشياء، فقد كانت المطالب والرغبات التي أحياها في النفس بعد الاغتسال به هي الانغماس بما يكون مُحمَّلًا بالإيقاع والنغم، ولأن علاقتي مع الأغنية والاستطراب بها لا تكون بأفضل حالاتها في فترة الصباح، اخترت التوجه للقراءة في الشعر، ورحت أبحث عما لدي لتحقيق ذلك المطلب وإشباع تلك الرغبة، فانتهيت إلى حمل ديوان الأمير خالد الفيصل.

وقبيل البدء بإعادة قراءته، تذكرت ما قد وجدته يثقل على نفسي من كثيرٍ من قصائد المدح، وبعد هدوء وتأمل وبحث عن سبب ذلك الثقل، أدركت أن ذلك قد يكون حالةً من حالات الافتقاد لشخصيات تستحق أن يُكتب فيها المديح، أو قصورًا مني في رؤية ما يُستحق أن يُمتدح في الآخرين، وقد كان في ذلك ما يدعوني للتصالح مع ما قدمته الحياة مبتورًا، أو ما كانت رؤيتي له تبتر ما فيه من جوانب جيدة، مستحضرًا الآية التي تصف حالةً من حالات النفس الإنسانية: ﴿ولكن أكثرهم لا يشكرون﴾.

وبعد توسع مساحة الإدراك التي حظيت بها النفس، وعودة شيء من الهدوء التي ساقت لركوب موجة الإيقاع والنغم، انتهيت إلى الميل لرؤية أن من تمام ذكاء المتمكن من فنه أن يوثق مواقف الجمال وملامحه وسمات وصفات أهل ذلك الجمال والفعل الجميل، كما ينشغل إنسان اليوم بتوثيق لحظاته ومشاركتها.

فتوثيق مكانة الآخرين من خلال نوع من أنواع الفنون التي جاءت من موهبة أو من دراسة وممارسة وتمكن، قد يكون أحد أجمل الهدايا التي يمكن أن يقدمها الإنسان لنفسه قبل أن يقدمها للآخر، لكي يكون بذلك قادرًا على نحت بعض معالم ذكرياته، والرجوع إليها والتقوي بها حينما تعارضه أقدار الحياة، وترمي بطريقه شيئًا يعيقه عن رؤية ما فيها من جمال، فيكون بذلك قدَّم لنفسه ما يسلى ويتقوى به، وما يمكن له استذكاره، فيعينه على السير والاستمرار بإكمال مساره.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *