
العرافة
في صباح يوم لا تكتظ الأسواق فيه بالناس، خرجت العرافة للتبضع، وفي طريق عودتها رأت شابًا يجلس في أحد أماكن بيع القهوة، فحدثتها نفسها أن تعرض عليه خدماتها، لعلها بذلك تقوم بتعويض قيمة ما قامت بدفعه في رحلة التبضع، فاتجهت إليه بوجهٍ مبتسم وبدأت حديثها.
العرافة: لن أطلب الكثير من المال، وقد لا أطلب شيئًا إن رأيت ما يعجبني.
الشاب: وماذا تريدين؟
العرافة: أريد أن أقرأ لك الكف.
الشاب: ومن أخبرك بأنك تجيدين القراءة؟
العرافة: هل تسخر مني؟ أنا أشهر عرافة محبوبة في البلدة، والكثير من الأشخاص يأتون إليَّ لأقرأ لهم.
الشاب: ولماذا تأتين لتقرئي لي؟
العرافة: لأؤكد لك بعض ما تظنه، وأخبرك عما يقلقك، وعمن يعاديك، وأمدك بالمعرفة المعينة لبلوغ أمانيك.
الشاب: لقد سألتك لماذا تأتين لتقرئين لشخص بعينه بينما الآخرون يأتون إليك؟
العرافة: هناك شيء فيك يدعوني لمساعدتك في استكشاف روحك، هذه الروح القديمة، وأغوار نفسك، هذه النفس العظيمة. إني أرى احتمالات عظمة قد يُقدَّر لها أن تكون خالدة.
الشاب: إن الأحداث القديمة تريد أن تعيد تكرار نفسها، وتوكيد ذاتها، وتأصيل قدرتها أيتها العرافة.
العرافة: ما الذي تتحدث عنه؟
الشاب: لم يكن آدم عليه السلام بحاجة لإيمان يرتكز على الظنون، بل للتسليم واليقين بجمال محبة ومشيئة رب العالمين، ولم يكن بحاجة لوساوس تحثه ليتحرك من منطلق الخوف والقلق، أو ليعظم من شأن الأماني والوعود بأن يكون ملائكيًا قدره الخلود أو لزاما أن تكون حياته أبدية هانئة.
العرافة: هل تقول إنك آدم، وأنا من أخذ دور الشيطان الذي يحاول إغواءك للتصديق بمعرفة ترتكز على الظنون والأماني؟
الشاب: هل عرفتِ أيتها العرافة من منا يستطيع أن يقرأ للآخر؟
العرافة: تبًا لذلك الانجذاب والفضول الذي شعرت به تجاهك.
الشاب: لا تقلقي أيتها العرافة، فلست أقرأ الآخرين أو أحاكمهم في العلن كي لا أفسد على أحدٍ متعته في رحلة الاستكشاف.
العرافة: ولكن مثلك لا يدَّخر قدراته في تقييد غيلان الجهل التي نُطعمها ونطلقها لتسحق وتشوه معرفة الناس بأنفسهم
الشاب: إصرارك في محاولة تعظيم قدرتي ودوري لا ينال استحساني، فأنا لا أرى إلا محاولة لبعث كبريائي ليولد من جديد.
العرافة: هل يمكن لنا أن نعقد هدنة؟
الشاب: لا خوف عليك، فعمرك طويل أيها الغول الجميل.
حملت العرافة ما قامت بابتياعه من السوق ونظرت إلى الشاب …
العرافة: ألن تدفع المال مقابل ابتسامتي التي غمرت صباح يومك بجمالها؟
أطلق الشاب ضحكة غير متوقعه فزعت العرافة وفزع من حولهم
الشاب: ألن تدفعي مقابل هذه الضحكة التي لن تسمعي مثيلها بقية حياتك؟.
انصرفت العرافة بوجه عابس وعادت إلى منزلها

اترك تعليقاً