تناسخ الأرواح والأبدية: تأملات في معتقدات إيمانية | تدوينات وتأمليات

يلاحظ المتأمل بتحولات الفكر وفلسفات الحياة أن الناس يذهبون مؤخرًا شيئًا فشيئًا خلال الأعوام القليلة التي مضت إلى الاتجاه إلى الإيمان بتناسخ الأرواح، وأنه قبل هذه الحياة قد عاشوا حياة، وبعدها سوف تستمر الحياة.

وكشخص يجد أن القلم رفيقه المقدس الذي يأخذه في رحلات إلى ما هو أبعد من حدود المعرفة وجمودها، وكشخص يجد أن الصفحات هي الرحم الذي يستودع فيه كلماته إما لإحيائها أو لإجهاضها، أود أن أعبر عن رأيي وما أعتقده في هذا الأمر، ليس كراهب، بل كاتب متأمل لم يحتج لإثبات مهاراته وإظهار قدراته، ولا يستميت لنشر مؤلفاته ليحصل على تأكيد أحدهم أنه جيد فيما ينشره ومؤثر فيما يطرحه ومتفرد فيما يقوله.

وبعد هذه المقدمة التي تنفّس فيها الكبرياء آخر أنفاسه على الورق لهذا اليوم، حيث اعتاد مني القيام بتعليقه على الصليب، حيث يعرف الكبرياء أنه الشيء الوحيد الذي يجعل الروح في جمود، وهو من يبني حولها السدود، ويحدد لها معايير الجمال، فيقطع عنها ذلك الاتصال بالجمال وببقية الأرواح التي تعيش على إيقاعه.

تناسخ الأرواح كما أراه، ليس إلا فكرة عظيمة الجمال لكاتب قديم لا أحد يعرفه، كاتب مُلهم أراد أن يجرب الحياة بكل أطيافها، ويزيل الجمود عن مخيلات البشر ليلمسوا شيئًا خارج حدود قدراتهم ومعارفهم، ويتجرؤوا على تلك الحدود. يمكن القول إن ذلك الكاتب صنع المفتاح الأول الذي فتح باب المُخيلة للإنسان!

ولكن للإنسان عودة لتأصيل الجهالة، باحتكار وتوظيف الأفكار الجميلة، وسجنها وتحويلها إلى معتقدات مظللة ومعارف مشوهة. لقد تحولت بعض الديانات من القدم إلى التسليم بهذه الفكرة، وبنت حولها ثقافتها، وانتقلت تلك الثقافة لتشحن كبرياء الإنسان وتؤصل جهالته وتضخم كبرياءه. فإن كانت الروح تتناسخ، فما الحاجة للتصديق بالأنبياء؟! نعم، هذا هو المنطق الذي كان قريبًا من منطق الذين قالوا:

(وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ).

وكما أن السلاح يصبح خطرًا مؤديًا للهلاك والإهلاك في يد الشخص سريع الغضب أو المصاب بالجنون، فإن الأفكار الجميلة التي تثري الجمال وتأخذ الإنسان من ضيق الحياة إلى سعة الخيال، تصبح معتقدات خطيرة قد تؤدي به إلى هلاك نفسه أو إهلاكها.

لقد كتبت هذا الرأي منذ زمن، بعد نقاش مع شخصية متبعة لأحد الديانات التي تؤمن بتناسخ الأرواح، حينما أرادت معرفة رأيي حول التبرع بالأعضاء، وكيف أن الأمر من الممكن أن يتحول (لدارما جيدة حسب ما يؤمنون به، ورصيد يأتي إليك في حياة أخرى). أما رأيي فقد كان صادمًا لها، حيث أني لا أؤمن بوجوب وجود سوق لقطع الغيار للإنسان، وأن هذا الجسد هو دين استدانه الإنسان من الأرض، وعليه أن يحرص على عودته. كما أن جزءًا حقيقيًا من الإيمان لا يمكن لمسه أو بناؤه إلا بلمس المعاناة، والنظر بأنه لا سبيل للنجاة إلا بالإيمان الحقيقي والتغير الجذري، وأن تلك الحوافز في تقديم العطاء للآخرين قد لا تتجاوز كونها محاولة لإحياء وتخليد الكبرياء الذي يرفض تقبل أن مصيره إلى الفناء.

ختامًا، لو تم سؤالي: هل ترى أن كتابة رواية قائمة على فكرة تناسخ الأرواح ستكون رواية جميلة؟ سأقول: نعم. وقد أكتب يومًا شيئًا مماثلًا، ولن أكون مسؤولاً عن مصير من يؤمنون بتلك الفكرة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *