تطرفٌ يُجدِّد وجهه | تدوينات وتأمليات

بعد مرور الأزمات بأنواعها المتعددة على الإنسانية، لا شك أن كل إنسان قد تتملكه حالة فقدٍ طويلة الأجل لجزءٍ من نفسه، مهما كان واقعًا في إنكار تلك الحالة. وقد يعيش بعد ذلك سنواتٍ محاولًا تعويض ذلك الفقد، أو استبداله بشيءٍ آخر، أو تناسيه، وقد يستسلم لتبني نظرة سوداوية وفلسفة عدمية شاملة للحياة وما فيها.

لن أتحدث عن الأزمة الفلسطينية التي لم يستطع التطرف فيها أن يُجدِّد وجهه؛ فقد كُشفت فيها الأقنعة، وبدأت آثار عمليات التخدير الطويلة بالانتهاء، واستطاع الإنسان أن يكون شاهدًا على حقيقة ما يجري.

كما أنني لا أحب التحدث عن أزمة كورونا أو استذكار أحداثها، ولكنني لا أشك بأنها كانت الوقت الذي جدَّد فيه التطرف وجهه.

نعم، لن تكون الحياة آمنة ومستقرة دائمًا بطبيعتها، ولكنها ليست مربكة وكارثية كما حدث، إلا عندما تعاظمت وتشيطنت مطامع النفس البشرية.

لقد تسببت تلك الأزمة في حالة فقدٍ عظيم لمعظم البشر، وأسقطت بوصلة الكثيرين في إيمانهم بجمالية الاحتمالات المستقبلية في تجربة الحياة، وجعلت كثيرًا منهم في حالة تجديفٍ مستمر، يحاولون من خلاله معاكسة تيار الاكتئاب حتى لا تبتلعهم نوباته.

وبعد ما رأيناه من اعتراف بعض شركات الأدوية بالأضرار التي قد تتسبب بها لقاحاتها «الآمنة والفعالة»، في حين أنه لم يكن يعتلي المنصات أو يخطب على المنابر سوى رؤسائها التنفيذيين للتوصية بجرعات «تنشيطية وتحفيزية»، وبعد التصريحات الأخيرة لأحد كبار المختصين في المجال الصحي الذين تصدروا قيادة المشهد وإدارة الأزمة على مستوى العالم، واعترافه بعدم جدوى إجراءات التباعد الجسدي التي كان يتم الحث على الإلزام والالتزام بها، أقول لمن هم تحت تأثير التخدير التام، والإيمان والتصديق المطلق بالمنهجية والبحوث والتجارب العلمية، ومن وصل بهم الأمر إلى التطرف في سبيل نصرة هذه المناهج والتوصيات، وتقزيم وتحقير ومعاداة من كان أو سيكون لهم رأيٌ مخالف:

إنه في كل زمان سيكون هنالك متطرفون، ولكنكم تحملون جميع المقومات التي تؤهلكم لتكونوا المتطرفين الأخطر في التاريخ.

ختامًا، نحن نشاهد رئيس منظمة الصحة العالمية لا ينقطع عن الظهور للتحذير من أزماتٍ جديدة محتملة، وبلا شك أنها أزمات يجري الإعداد والتحضير لها. فهل سوف نشاهدكم تساهمون في معاونة التطرف على الاستمرار في تجديد وجهه؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *