حبة الرأس | تدوينات وتأمليات

من حبة الرأس إلى الموت، هناك واجبات اجتماعية مفترضة قد تحكم عواطف الإنسان وتحدد مشاعره تجاه ذاته وتجاه الآخر وتجاه دوره وقيمته في المجتمع.

ولحسن الحظ أن رتبت لي الأقدار مصادفةً غيرت من بعض القناعات التي قد كانت ستؤدي إلى الجمود وضيق الحدود.

فمنذ ما يزيد على العشرة أعوام، في أحد مطاعم الرياض على وجبة غداء أو عشاء، كان في الجلسة التي بالجوار رجلان في بداية السبعين من العمر، يشكو أحدهما إلى الآخر من أن “فلانًا لم يقبل رأسه في المناسبة التي قاموا بحضورها رغم أنه أكبر سنًا”.

لقد ذكر الأمر للمرة الأولى وهو منزعج بينما كان رفيقه يكمل تناول طعامه بهدوء، ثم عاد هو بذاته لتناول الطعام، وبعدها توقف وكرر الشكوى:

“فلان لم يقم بتقبيل رأسي وأنا أكبر منه، يا لها من قلة أدب منه!”

ثم تأمل في وجه صديقه الذي يتناول طعامه بهدوء وصمت، وعاد ليأكل للمرة الثانية.

وحدث ذلك الأمر لأكثر من ثلاث مرات، الأمر الذي جعل من تكرار الموقف يساهم في بث مشاعر وردّات فعل مختلطة بين الشعور بالشفقة والرغبة في كبح النفس من الانفجار ضحكًا.

ولست أعيب على ذلك الرجل الذي كبر في السن ما قد يكون سببًا في ألمه، فقد يكون كبر وفي أعماقه طموح بأن يحصل على التقدير في كبره وعلى مظاهر الحب والتي قد يكون أحد أشكالها هو تقبيل رأسه.

ولكن كم يكون من المؤسف أن يعيش الإنسان منتظرًا من الآخرين التقدير، الحب، الموافقة، أن يعيش مقيدًا بافتراضات وتصورات خارج حدود نفسه لينال فتاتًا من لحظات ومظاهر الاحترام والحب والتقدير.

لقد كانت تلك المصادفة وذلك الموقف أحد المواقف التي ساهمت في تحفيز رغبتي بالبحث عن القناعات التي تعيق تصالح الإنسان وتناغمه مع الحياة دون أن يشرط أو يفرض على الله، الحياة، الآخرين أي فرضيات ليكون إنسانًا متزنًا في ذاته وعواطفه وتصوراته ومرئياته المستقبلية.

وأتصور أن الإنسان دون هذا التصالح الذي ينبغي أن يكون مبكرًا قد يصاب بشيء من البؤس كما كان ذلك الرجل مصابًا به، أو قد يكون مصابًا بعمى البصيرة فيوقع نفسه في مشاعر الكراهية تجاه المجتمع وأفراده، وكل ذلك لا يؤدي إلا إلى ارتداد سلبي يطفئ النفس ويعمق السوداوية في الإنسان ويقوده إلى تبلد وموت الحس.

لقد أثار ذاكرتي للكتابة عن هذا الموقف ما حدث مؤخرًا حينما حاول أحد أبناء العائلة تقبيل رأسي وقال: ” لقد انتهى العامان اللذان اشترطت مضيهما حتى نقبل رأسك”، فأخبرته ممازحًا أن المدة تم تمديدها إلى حين حدوث حدثٍ ما قد يحدث خلال أعوام قادمة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *