الجمال والكوارث | تدوينات وتأمليات
الجمال وديعة باطنية وهو غير متوقَّع بتفاصيل ملامحه ومستوى ووقع تأثيره، ولكن يمكن تصور احتمالات مساره وطبيعته، كالأيام الجميلة التي تهطل فيها السيول وتجري فيها الوديان، ولكن الإنسان قد غُيِّب عن طبيعته فأصبح صانعًا للأزمات والكوارث، ومن أمثلة ذلك أنك قد تراه في كل عام عالقًا في ممرات السيول والوديان، هذا إذا لم يكن قد ردم شيئًا منها وقرر أن يبني مسكنًا خاصًا به.
وليس الإنسان يتعالى عن كونه إنسانًا، فكل إنسان قد يمر بتجربة يكون فيها مُغَيَّبًا عن طبيعته، صانعًا لأزمة ما أو كارثة ما في نطاق حياته أو حياة من حوله، وقد يُوَفَّق الإنسان ليعي أثره ويبادر في إصلاحه، أو يقع في إنكار ذلك فيستمر في ذلك الغياب، فيكون كمن عاش الحياة لا يعرف عنها إلا ما يتعلق بحدود مصالحه فيها.
وحينما يذكر الرحمن سبحانه سببًا من أسباب ظهور الفساد، والذي هو أحد أشكال الأزمات والكوارث، في الآية: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)، فإن الإنسان يتصالح مع حقيقة أن الكثير من الأزمات والكوارث هي من صنع نفسه. وغيابه الطويل عن طبيعته هو أحد الأسباب المُسْهِمَة في ظهور الفساد وكثرة الإفساد في الأرض.
ولكن هل اختار الإنسان أن يكون مُغَيَّبًا ومفسدًا؟ حينما نرى أن الله سبحانه يدعونا في كتابه للتفكر في هذه النفس وأطوارها، فإن هذه الدعوة ليست دعوة محصورة لتكون فيزيائية للتعرف على الجسد ومكوناته وآلية عمله، أو نفسية لدراسة وتحليل الأنماط والأمراض وتقويم السلوكيات، إنما هي دعوة شاملة لتفكيك جهالات النفس المركبة، وتحيزاتها المتطرفة، وتشوهاتها الناجمة عن كل ذلك.
وهذا يدعونا للتصالح مع حقيقة أن في هذه النفس يكمن الجزء الأكبر من الاختبارات والابتلاءات للإنسان، وقد يكون لهذه الاختبارات والابتلاءات امتداد في البيئة ومورثاتها، أو بالظروف وتحدياتها، أو بكلٍّ منهما.
والإنسان الذي ينشد الجمال والوصول إلى الاعتمادية الذاتية في استشعاره، عليه أن يفكر بالأمر من منظور شجرة السكويا العملاقة، التي تقضي ما بين أربعة إلى خمسة عقود حتى تصل إلى الاعتمادية الذاتية، مقاومةً بذلك كل أشكال الأزمات والكوارث.
وقد يكون لزامًا على الإنسان أثناء هذه الرحلة أن يعيد النظر في إصلاح مسار جذوره، لتمتد نحو ما هو طبيعي، وتسقيه منه، وتمده بما يوقظ فيه طبيعته، فتصلح بذلك نفسه، وتخضر أيامه، ويطيب أثره، ويمتد تأثيره.

اترك تعليقاً