قدوتك من تراب وأعداؤك من سراب | تدوينات وتأمليات
من أوجه العدالة في الحياة أن يكون في قدر الإنسان ما قد يعينه للوصول إلى نقاط وسلك مسارات تحول تدفعه نحو التجدد والتغير، لبلوغ ما يحتمل أن يكون مصدر نجاح أو فخر أو اعتزاز بالنسبة له. ويختار الإنسان المُجرب والمتعقل عدم الانقياد لفضوله أو إلزام نفسه بالانشغال بالآخرين، والبقاء لرؤية ذلك التحول الذي قد يحدث لهم أو أن يكون شاهدًا أو وصيًا عليه، فكل تحول يخص صاحبه.
وما يشعر به البعض من خواء بعد بلوغ منعطفات التحول وتحقيق مبتغاهم من السعي وانتصاراتهم، من اكتشافات لاحقة بأن كل ما بذلوه لم يمنحهم المفتاح السحري لإيجاد السعادة والرفاهية النفسية والروحية، فقد يكون من نتيجة ذلك أن تأتي عليهم طبيعة مغايرة من التحولات، تحولهم من بلوغ نجاح ظاهري لا تمتع ولا ذائقة فيه إلى بلوغ خواءٍ باطني، فيغلب أن يكونوا مشحونين بمشاعر الغضب والضجر وغيرها من المشاعر التي قد تشكّل، عند اجتماعها، مزيجًا من مشاعر كراهية وعدائية وحسد غير مدرك أو معترف به تجاه كل ما يحمل روحًا عفوية أو تجاه بعض من كانوا يتقدمونهم بخطوات لم تكن خطوات سباقية تنافسية، بل تيسير ومواقيت إلهية، ليتجه كل إنسان نحو تجربته التي قدر له تجربتها، وخلق لخوضها ويسر له فيها ليؤدي ما ينبغي أن يؤديه، ثم يصرف عنها إلى غيرها.
وللفضول مستويات وفصول، منها ما هو فضول يبني الإنسان، ومنها ما يجعله في قاع الإعاقات النفسية والمقارنات الظاهرية، أو ممسكًا بمطرقة الأحكام الوصائية. وذلك الفضول الذي يجعل الإنسان يتخذ إنسانًا آخر قدوة له هو نوع من تقديس وتأليه الآخر وثقل وحمل عليه: فقدوتك خٌلق من ضعف ومن تراب وهو عائد إلى ذلك، وأنت كذلك.
وذلك الفضول أيضًا الذي يجعل من الآخر الذي قد يكون ألمك أو أثار تحفظك تقدمه بخطوات في مرحلة ما عدوًا لك. هو فضول من فضول المقارنات والتشوهات المعرفية والإدراكية الذي يخلق لك أعداءً من سراب، وأنت بين التراب والسراب، تستمر في حالة من حالات الغياب عن العفوية والنفس السوية والطبيعة الإنسانية، فهل ستعود من بعد هذا الغياب؟

اترك تعليقاً