رحلة التوكل من الخوف إلى المحبة| تدوينات وتأمليات

في مواجهة الشرور وردعها بما يتناسب مع حجمها وتأثيرها شيءٌ من اتباع التوجيه الإلهي، وتقوية النفس، ورسم الحدود. وهذا يكون في مواجهة الشرور المشاهدة والعداوات الظاهرة. وفي الآية (194) من سورة البقرة:

﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

شيءٌ من التأكيد على عدم قبول عيش أدوار الترفّع والسلام والتسامي التي تتجاهل طبيعة النفس الإنسانية المتمادية، إذ أن في كل نفسٍ من الشرور ما قد يكون من الضروري ردعه بما يماثله. وفي ذلك قال الشاعر:

«والله إن الشرَّ للشرِّ أحيانًا علاج».

ومن الحكمة الإلهية أن جعل الله كثيرًا من الشرور خفية، وإن لم يُبصرها الإنسان عيانًا، فهذا لا يعني عدميتها. وفي ذلك مفتاحٌ لبابٍ من أبواب الإيمان، وهو باب تسليم الوكالة لله سبحانه.

ومن الأمور التي قد لا يتعلّمها الإنسان، أو يصل إليها، حتى في ظل نشأته في بيئاتٍ تولي الثقافة الدينية أهميةً بالغة، هو: كيف يبني إيمانًا كاملًا ينطلق من حسن التوكل على خالقه، قبل الأخذ بالأسباب وبعده، وحتى عند بلوغ مسألته.

وقد يكون ذلك راجعًا إلى محدوديتنا في التعمّق في فهم المواضيع التي ينبغي فيها تسليم الوكالة، وحصرنا لها في نطاقٍ ضيق، مع أن الله سبحانه هو: «نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ».

وعندما نأتي لبعض الأذكار التي ذُكر فيها موضوع الوكالة، والمقتبسة من نصوصٍ قرآنية، نجد أن كثيرًا منا يقيّدها في مساحةٍ ضيقة، ومواضيع لا تتجاوز دفع الشرور أو دفع الظلم وردّه على صاحبه.

ففي الآية (173) من سورة آل عمران:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

نجد أن حدود معرفتنا فيما يخص موضوع الوكالة قد تشكّلت وتوقّفت عند هذا الإطار، فقمنا بحصر توكيل الله سبحانه أمر ترتيب الأحداث وإدارة المشهد في مساحة احتمالات مواجهة الظلم أو العدوان أو معايشته. غافلين عن أهمية توكيله سبحانه في ترتيب الأقدار لنعيش في ملكة بالدنيا والآخرة معنى الجمال متذوقين معنى الحياة

وفي رحلة الإنسان التجريبية لحدود إنسانيته، المنطلقة من اعتمادية الرؤية الذاتية أو الرؤية الاجتماعية، وحرصه على الاتزان بين منطق العقل ومنطق القلب، أو منطق من حوله وتوكيلهم لترجيح أفضل الخيارات والمسارات والاحتمالات المناسبة، نجد أنه قد ينزلق إلى هدر جزءٍ كبيرٍ من تجربته في التنقّل بين تجارب لا تهديه إلى جميل، ولا تنتهي به إلى سبيل.

ولأنها رحلة تبدأ بكونها تجريبية اختيارية، قد يظن الإنسان أن احتمالات التوفيق فيها موكولة إلى مبادراتٍ يبادرها، أو علومٍ يتعلّمها، أو معارفَ يبحر في تأمّلها، أو علاقاتٍ يجتهد في بنائها، أو أموالٍ يحرص على كنزها وجمعها.

إلا أنها قد تنتهي بالشخص الذي يوفّقه الله ليهتدي إلى نفسه، لتكون رحلة إيمانية يقينية، يرى فيها الإنسان أن كل ظنونه في الأسباب قد تخيب إذا ما سلم وكالة أمره إلى ربه وإلى حقيقة أن الأسباب لا تتجاوز كونها أسباب يسبّبها الله سبحانه بمشيئته.

ومن هنا يبدأ الإنسان السير بمفاتيح التوكل، التي تقوده لفتح أبواب القوة الحقيقية، القادمة من المحبة السماوية:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *