في سلة واحدة | تدوينات وتأمليات
ما تلبث الإنسانية في توجهها وتواجدها في حالة من الإتزان والانشغال بالتقدم والنمو والبناء والعمران إلا ويأتي فيها ويظهر منها من هو مدفوع بالهيمنة وممسوس بالجنون والطغيان ليثنيها عن ذلك التوجه ويشغلها بالخوف عن الاستمرار بالتقدم من خلال نشر الحروب والأوبئة والنزاعات والتفكك.
وهذا التقدم الصناعي والصحي والتقني والتوسع والانفتاح الرقمي يخبرنا أن إنسان اليوم يمتلك كل مقومات بناء الحضارة، بل وتمثيل وإحياء الكثير من الحضارات المندثرة التي حاولت أن تخلد وتترك إرثًا لحضارات تأتي من بعدها، ولكن إنسان اليوم الذي درس وتعلم يثبت أنه ذاته إنسان الماضي الذي لم يدرس ولم يتعلم، وهذا ما يُرى فيه حينما يصل إلى قوة ما ثم لا يفكر بعدها بما هو أبعد من نفسه.
ووعي الإنسان بأن ليس لديه مفر من كونه شاهدًا على هذا التوسع واحتمالات امتداد تأثيره عليه أو على بيئته المحيطة يجعله أكثر انفتاحًا لقبول الاختلافات وتنوع الاهتمامات، ومتحوطًا ومتنبهًا من الانقياد والتفاعل مع الكثير من المثيرات السلبية من صراعات دينية ونزاعات طائفية وعنصرية وأمراض وأوبئة وأذية تهدف لتقييده وتدجين وعيه وعواطفه في حدود لا تتجاوز امتداد احتياجاته الغريزية.
والعولمة اليوم حاضرة وقائمة، ولكنها ليست فاعلة بشكل إيجابي تام، فمحاصرة الأذهان بالحروب وأخبارها والأمراض وانتشارها تجعلنا نرى أن العولمة يتم استخدامها لتوجيه الأذهان لتكون في سلة واحدة واستنزافها بالكثير من المشتتات والمخاوف السلبية كي لا يبرز في الإنسان سوى سمات الأنانية ولا يبقى فيه شيء من الإنسانية.

اترك تعليقاً