مضاجعة الشياطين | تدوينات وتأمليات

في رحلة سفر الإنسان الشاملة من الطفولة إلى الشباب إلى الكهولة ثم العودة لرد الدين للأرض التي استعار وجوده المادي من ترابها وطينها، يمر الإنسان بأنواع من الوجود في تلك الرحلة، منها ما يكون مدفوعًا ومدعومًا برعاية إيمانه بربه، ومنها ما يكون مدفوعًا ومدعومًا برعاية أهوائه ووسوسة شياطينه وأمراض قلبه، والإنسان في اختيار مصادر ذلك الدعم لإكمال الرحلة مخير وليس بمسير.

والرحلات مستمرة وإن كانت مظاهر توقفها مشاهدة، والتغيرات تحدث وإن كانت مظاهر الجمود عليها غالبة، والدين مسترد وإن حاول الإنسان الهرب والمماطلة، والعاقبة الحسنة لمن آثر تزكية نفسه وطهر قلبه، مراعيًا حب ربه للجمال ورؤيته، ساعيًا من خلال ذلك في نيل رضاه ومحبته، طامعًا في الرجوع إليه بنفس مطمئنة تفوز بنعيم الخلود في جنته.

ولأنها رحلة سفر شاملة، فالرحلات تتقاطع بيننا وبين الآخر، والأرواح فيها قد تتعارف فتألف وتؤتلف أو تتناكر فتختلف وتتنافر، ولا شيء من هذا أو ذاك يفترض أن يكون قدرًا أبديًا دائمًا، فالظروف والأقدار متغيرة، وإيقاعات الأرواح قد يمر بها شيء من التغير، ولكن وحده الذي نسي أن له روحًا ونسي أن لتلك الروح طبيعة يُفترض أن تُقبل وتُقدّر، يذهب لصناعة رؤى ونسج افتراضات أن أي تناكر أو نفور يصبح ملموسًا بينه وبين الآخر هو ليس إلا حقدًا دفينًا وحسدًا قديمًا وتعديًا فاجرًا لمحاولة تشويه نقائه وتهديدًا لبقائه، فتكون رؤيته هي سجنه ومعضلته، فيذهب ايصبح إنسانًا يبادل بصيرة روحه وطبيعتها ببصيرة كبريائه وطبيعته.

ومن هذه المعضلة التي وضع نفسه فيها يبدأ في تسليم نفسه لوساوس الشياطين التي لا تقف عن مضاجعة ذهنه في كل حين كي لا يراجعها أو يصحح مسارها، فيكون قد اختار رحلة ترعاها أهواءه و وسوسة شياطينه وأمراض قلبه، ومن هنا يمكن رؤية ومعرفة جانب من طبيعة أحداث الرحلة التي يمر بها ويتمسك بها الكثير من الحساد والحاملين للكراهية والضغينة والأحقاد، والتصالح مع اختياراتهم دون تعاطف أو تأثر، لتجنب تبادل العداوات أو الاستجابة لتراشق التشوهات أو محاولة تجدد احتمالات تقاطع المسارات، وليكون بذلك البعد ما يعين على أن يهتدي الإنسان إلى الصراط المستقيم.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *