السكراب والخُردة وما بعد الحدث | تدوينات وتأمليات
في أحد السنوات التي كنت فيها قد قمت بإرسال العمالة لسوق السكراب والخردة لبيع بعض ما تراكم في المستودعات منها، كان في ذلك السوق بيع وشراء، وكنت أقف على مسافة أراقب فيها الأحداث منتظرًا انتهاء ما أنا مهتمٌّ بشأنه، لأخرج من السوق، ومثل تلك الأسواق يذهب إليها الشخص ولا يحملها من التوقعات أكثر مما يمكن أن تحمله وتكون عليه، فغالبًا ما تكون مليئة بالسماسرة، وأجواؤها تفوح بما تشتهي نفوسهم من استحواذ وهيمنة على احتمالات الشراء والبيع وتحقيق أفضل الأرباح حتى إن كان ذلك على حساب استغفال الآخرين.
كان الشخص الذي يقوم بعملية التسويق على السكراب والخردة “الدلال” قد فتح باب المزايدات على ما تحمله الشاحنات المُرسلة، وبينما كانت المزايدة مستمرة إذا بصوت رجل في صوته شبه حياة وملامح موت يسأل من بعيد عمّا وصلت إليه المزايدة، أفاده الدلال عن سؤاله، فتبع ذلك بقوله: “إذا كان لا يريد أن يبيع بذلك السعر فاجعله يخرج من السوق”.
توجهت بصمت وبخطوة ليست هي إيقاع خطوتي لصاحب الصوت، والذي كان يبعد ما يُقارب مائة متر عن الموقع، ويُقعد مؤخرته على كرسي يشاركه في الجلوس فيه اثنان من صحبه ويقابلهم ثلاثة آخرون، وكأن كل واحد فيهم مرآة لرداءة الآخر، ولم يكن توجهي لخير أكنّه في نفسي.
لاحظ توجهي لصاحب اللسان ذلك الكيان الهائم بين الحياة والموت رجلان، فاستوقفاني توددًا وطلبًا في التعقل وعدم إشعال فتيل احتمالات الشرور، ولم تكن اختيارات التعقل هي ما أحب اللجوء إليه عندما أصادف أشخاصًا يجاهرون برداءتهم، إلا أن أحدهم كان قد أضاف توصيفًا لذلك الكيان، فحينما قال: “دعه ينتهي إلى ما اختار أن ينتهي إليه، إنه إنسان تتأذى منه حتى نفسه”، فسحرني بتوصيفه ونظرت إلى ذلك الكيان فإذا به يحاول إخفاء ارتباكه مما كان قد أشعل شرارته بلسانه، فشعرت بشيء من الامتنان لأولئك الرجال الذين أعاقوا تقدمي.
عدت لأطلب من “الدلال” البدء بالمزايدة من جديد، فأخبرني أن ذلك قد يُنقص من قيمة البيع، فلم يعنني ذلك الأمر، وكنت في تلك الأثناء موجّه الجسد وراميًا النظر إلى صاحب اللسان، وكأن شياطينًا تصلي تحت أقدامي تتحرى أن ينطق مجددًا لتحملني إليه كما الريح، انتهت المزايدة دون أن يستنطقه شيطانه ودون أن تقودني إليه شياطيني، وتم بيع السكراب والخردة.
وخرجت من السوق تتملكني حالة من تأنيب الضمير وجلد الذات على نسياني أن ذلك هو سوق السكراب والخردة، وشعرت بشيء من الرحمة تجاه صاحب اللسان، فما أسوأ أن يعيش إنسان حياة طويلة مؤذيًا بطبيعته الآخرين، ويؤذي بطبيعته حتى نفسه.
وفي الختام لم يكن ما كتبته للتعبير او التنفيس أو الاستعراض اللغوي، بل لمشاركة ما بعد الحدث فالإنسان يحذر من الاندفاع ويذكر نفسه باختيار التعقل عند مصادفة مثل ذلك الكيان صاحب اللسان الذي تتأذى منه نفسه، فوجوده لا ينحصر في سوق السكراب والخُردة فقط، فإنك إن سرت في الحياة وأمعنت النظر لوجدته في كل بيئة يسير كما يسير جحا بحماره حاملًا مساميره ليطرقها في كل مكان معلنًا عن سيادته على حدود ما يمتد إليه وجوده، مشرعًا لنفسه بعد ذلك تحديد قيمة الآخرين في الحياة والقيمة التي ينبغي أن يحصلوا عليها.

اترك تعليقاً