من الضيافة إلى ملاحقة الجزرة | تدوينات وتأمليات

منذُ سنواتٍ مبكرة، ومنذُ أن بدأتُ أتلمس ملامح نفسي، كنتُ ولا أزال إلى وقتٍ قريب أحد أولئك الذين يرتادون مقاهي القهوة، ويستمتعون بقضاء ساعة أو بضع ساعات في ممارسة شيءٍ ما أو في ممارسة اللاشيء، كطقسٍ من طقوس العزلة والوصول إلى حالة صفاء ذهني.

كان أحد المقاهي، التي خرجت من السوق ولم تخرج من شريط ذاكرتي ومشاعر امتناني، يجمع تفضيلاتي الذوقية من ناحية الخدمة والجودة، ومن ناحية جمالية المكان؛ فالألوان واللوحات الفنية التي تحمل روح الانطباعية والمعلقة على جدرانه، وكأنها قد اختيرت خصيصًا لتمكّن الإنسان من تجربة احتمالات السفر عبر العوالم وولوج تلك المدن المرسومة وبواباتها المشرعة، وكأن كل شيءٍ في ذلك المكان يوحي بأن صاحبه أحد أولئك الذين يستثمرون جزءًا من أرواحهم لا جزءًا من أموالهم فقط.

ولكن ما لاحظته بعد عدة أعوام أن ذلك المقهى انساق لسوق المنافسة حينما بدأت علامات تجارية أخرى تدخل إلى السوق، وذهب للتفكير بقيمة الحصة السوقية التي ينبغي أن يحصل عليها، وللتأكيد على جودة علامته التجارية ومع التمسك بأسعاره التي تفوق أسعار علامات تجارية عالمية، دخل في سباق المنافسة مع علامات أخرى، الأمر الذي بدأ شيئًا فشيئًا بسلبه مصدر قوته وروح تفرده، فقاده إلى ساحة ضعف فيها فأغلق أبوابه وغادر عملاؤه دون وداع منه؛ عملاؤه الذين استمروا معه لأكثر من عقدٍ ونصف.

لقد كانت المقاهي قليلة جدًا قبل انتشار العلامات التجارية العالمية في السوق، ولكنها رغم ذلك كانت كالمطارات التي تساعد على توفير رحلات فكرية ومشاعرية على مقاعدها، وذلك من خلال ما تقدمه من ذوق وجو ونوع متفرد عن غيرها، على عكس ما هو مشاهد الآن؛ حيث يمكن أن تلمس روح المادية التي طغت من خلال تلمس خامة المقعد الذي تستريح فيه، أو من هندسة تصميمه التي تضع جسدك بين اختيار احتمال الجلوس متعبًا أو المغادرة، أو من الشحوب في وجه مقدم الخدمة الذي يأمل أن يحصل على فرصته للانفكاك من قيد العمل والانطلاق الحر للدخول في سباق الحياة وملاحقة الجزرة، التي تصورها تطبيقات التواصل الحديثة على أنها سباقات حقيقية قد تنتهي به إلى الشبع أو إلى التحليق لأبعد من حدود مكانه الذي يقف فيه اعتقاديًا، فكريًا، نفسيًا ومشاعريًا.

وما قد يُقال في الختام أن التوسع والتطور مغريان للإنسان، ولكن هل ينبغي أن يلزماه بالدخول في سباقٍ ينتهي به إلى احتمالات إهدار القوة وضياع الهدف والرسالة وفقدان الهوية؟

نحن لا ننكر أنه قد يتمكن قلة من الأشخاص من الدخول في السباق وملاحقة الجزرة والحصول عليها، ولكن ذلك إن حدث مقابل تنازلات جوهرية تقوم على جعل الأشياء فاقدة لجوهرها، فإننا بلا شك نرى أن الحمار وإن نجح بالفوز بالجزرة، إلا أن الخواء الذي يملأ جوفه بعد ذلك لا يمكن أن تملأه مزارع الجزر.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *