النفوس العليا | تدوينات وتأمليات

المبادرة قيمة ومعيار يساعد في التعرف على الكثير من الأشياء وتحديد حجمها وقيمتها وقدرتها، وقد يصل إلى تحديد أصالتها، وقد جاءت في القرآن الكريم تحت عدة معانٍ، منها المسارعة والمسابقة لفعل الخير وتقديم النفع الحسن المقدور عليه من الأعمال التي يحبها الله.

ولذا فهي معيار ذكي في تحديد طينة الإنسان، لا للحكم عليه؛ فمن حق كل إنسان أن يختار التمسك بخصائص وملامح نفسه وطينتها، ولكن يمكن توظيف المبادرة كمعيار يُقاس من خلاله ما يمكن أن يكون محتملًا ومجديًا لاستثمار الطاقات فيه، سواءً كان في أعمال أو علاقات أو غيرها. وإذا استطاع الإنسان أن يجمع بين المبادرة واحترام الحدود، فغالبًا ما يوفق في ترك أثر في المكان وفي النفوس السليمة التي لا تتملكها التشوهات والارتيابات النفسية، فيكون سببًا في إحياء نوع من الألفة الروحية التي قد يندر التعرف على احتمالات وجودها في عوالم تتلبسها المادية وتكثر فيها التشوهات النفسية التي يتم تغطيتها بملامح العلو والفوقية.

والإنسان الذي يجد في نفسه هذه الدافعية الدائمة للمبادرة، فقد يكون أحوج ما يكون إلى التصالح مع طبيعة ما تنتهي إليه بعض المبادرات، متقبلًا احتمالات ضآلة وهزالة النفس البشرية في إحسان الظن وتقديم العذر أو تقدير ما يستحق التقدير وتقديم الشكر أو رد الإحسان بالمثل. وفي ذات الوقت عليه أن يحتفي بهذه العطية الإلهية التي هداه الله إليها واختصه بها، حيث أراده أن يكون ممن يُجري سبحانه الخير من خلالهم، فيكونون هم أصحاب النفوس العليا التي تقدم الكلمة لتلهم وتهدي وتصلح وتشفي، وأصحاب اليد العليا التي تبادر لتخدم وتدعم وتعطي.

وما من خصلة حميدة وقدرة في الإنسان إلا وقد يمر عليها ما قد يثبطها أو يُضعفها؛ فالمبادرات قد تنتهي بما لا يُتوقع أن تنتهي إليه، فيقع في نفس الإنسان شيء من الندم والتحسر على ما بادر فيه وإليه، وخصوصًا في ظل هذا الزمان الذي أصبح فيه الإنسان متباهيًا بعقلانيته السطحية، مشرعنًا لنفسه ومطلقًا العنان لها لتحلل نفوس الآخرين ودوافعهم فيما يبادرون إليه، مصنفًا دوافع المبادرة إلى الخير تحت أصناف وأحكام نفسية قاصرة، كعقدة المُنقذ أو الراغب والمحتاج للقبول أو الاعتراف والإشادة المجتمعية من خلال ما يحاول تقديمه وما شابه ذلك.

ولكن على الإنسان المبادر أن ينتهي إلى تذكر صوت الآذان الذي ترفعه كل النفوس العليا التي عاشت وبادرت وعبرت وارتحلت:

“لا يندم على العطاء إلا أهل الرداء.”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *