
جمال في غير موضعه | قصة رمزية + ٢٠٠٠ كلمة
قدم أحد الفنانين المحترفين في مجال الخط العربي عملاً فنياً بديعاً كهدية إلى صديقه الذي يدير مستشفى للأمراض العقلية والنفسية وقد كان العمل عبارة عن لوحة كُُتب فيها بخطٍ فني جميل ” الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاًً ” قرر مدير المستشفى بشكل عفوي أن يقوم بتعليق اللوحة في مكتبه ليتذكر أن الحياة لم تبخل عليه بذلك الصديق والفنان النبيل، وقد كان مدير المستشفى يقوم بين الحين والآخر باستضافة بعض المرضى ممن تتحسن أحوالهم ويتماثلون للشفاء ويتحدث معهم في بعض المواضيع التي يحاول أن يلتمس من خلالها عودة الإتزان إلى منطقهم العقلي والنفسي والعاطفي قبل أن يتماثلوا للشفاء التام الذي يسمح بمغادرتهم المشفى، ولكن لقد تغير شيء ما بعد أن قام بتعليق تلك اللوحة على حائط المكتب، لم يكن يتوقع أن تلك العبارة هي السبب، لقد أصبح أولئك الذين يقابلهم تنتكس أحوالهم بعد تلك المقابلة التي أعتاد أن يُجريها مع كل من اقترب موعد مغادرته للمشفى، كما لاحظ أيضاً بأنه قد بدرت من بعضهم مبادرات علنية توحي بإعلان العدائية الصريحة لقد كان أحد من زاره في مكتبه شاعراً لم يُعرف إلا بأشعار الحب والغزل والهيام ولكنه كتب في مدير المستشفى قصيدةً يهجوه فيها هي أبلغ ماقد كتبه وقد كانت قصيدةً سهلة الحفظ واضحة المعاني ليحفظها جميع من في المشفى، أم آخر فقد كان رساماً كاريكاتيرياً فقام برسم لوحات يُظهر فيها ذلك المدير مظهر إنسان الفقاعة الحالم المتغطرس الذي لايدرك سر تأثير الحظوظ على واقع حياته، وآخر كان متديناً يخطب في زملائه في يوم الجمعة وفي المناسبات الاحتفالية التي تُقام في المشفى، فأصبح بعد أن يختم خطبه يدعو بالشفاء لذلك المدير المتعجرف فإما أن يهديه الله ويتوب عليه أو ينزل عليه غضبه ويصب عليه عذابه، أما عامة المرضى ممن هم بعيدين عن مرحلة التشافي فقد بدأو بتناقل الإشاعات حول ذلك المدير عن ماضيه وحاضرة وما هي احتمالات مستقبله، لقد تفاجئ مدير المستشفى بهذا الكم من العدائية الغير مسبوقة وتشويه السمعة المتعمد ومن قام بتحريكها؟ إنهم أشخاص متماثلين للشفاء التام، فقرر أن يجتمع بهم ويناقشهم فيما بدرً منهم، رفض الجميع في البداية تلك المقابلة وبعد إلحاح منه قدموا شروطهم والتي تقوم على أنه لن تكون هناك مقابلة بل هي مُناظرة بينه وبينهم يفوز فيها صاحب المنطق السليم ويتم فيما بعدها تنفيذ أحكامه، وبما أن مدير المستشفى حاصل على أعلى الدرجات العلمية في تخصصه ولديه رصيده العالي من الخبرات المهنية وذلك التبحر في العلوم الطبية والإنسانية والفلسفية وغالباً مايتم قصده حينما يستدعي الأمر منطقة الامور والحصول على أفضل النصائح والتوجيهات، قرر ذلك المدير الموافقة على تلك المناظرة لقد شعر أن هذه هي فرصته التي سوف تكون ملهمةً له في تأليف كتاب فريد من نوعه… لقد كان يفكر في عنوان ذلك الكتاب الذي سيكتبه هل يكون كتاباً قصصياً عنوانه “مناظرة مع عقلاء العصر” أم كتاباً فلسفياً عنوانه ” العداوة والجنون ” لقد أصبح عند حضوره إلى العمل هائماً بالأفكار التي سوف يطرحها في ذلك الكتاب وقد بدأ فعلاً في كتابة بعض أسماء الفصول والعناوين الأولية للمواضيع والقصص، وبعد عدة أيام من النشوة التي كانت تحركها غيوم من الإلهامات التي لم تمطر بعد، جاء يوم المناظرة بينه وبين أولئك الأشخاص المتماثلين للشفاء وفي مكتبه حضر الجميع ولأمور تستدعي إظهار الحياد وحسن النوايا واستيعاب احتمالات تفاقم الوضع، حضر بعض طاقم العمل الإداري في المستشفى وبعض الأطباء، وعلى طاولة الاجتماعات جلس كلُ من الفريقين لبدء المناظرة، استفتح مدير المستشفى جلسة المناظرة بحمد الله وشكره وبالثناء على التقدم الرائع والخطوات الملموسة التي يبذلها جميع المستفيدين من الخدمات التي يقدمها المستشفى وفي التجاوب الذي يبدر من المستفيدين أنفسهم ويسهل بدوره تحقيق الهدف الرئيسي والذي هو استعادة تعافيهم وشكر فريق العمل على بذله جميع الجهود التي تصب في المصلحة العامة لخدمة المستفيدين، وبعدها طلب من المتماثلين للشفاء أن يقدموا أحدهم للحديث بالنيابة عنهم، ولكن لا أحد قد تجاوب مع ذلك الطلب، ابتسم الجميع في البداية عدا أولئك الذين طلبوا أن تكون الجلسة جلسةً للمناظرة، لقد صرفوا أنظارهم إلى تلك اللوحة المعلقة على حائط مكتب المدير والتي كُتب فيها ” الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاًً ” لقد تحولت ابتسامة المدير وفريق عمله إلى صمت ثم إلى شيء من الشعور بتأنيب الضمير، قرر المدير أن يتحدث عن هذه اللوحة، هذه اللوحة هدية جاءتني من صديق، لم يكن من المناسب أن أعلقها في منزلي، نظر إليه فريق المناظرة وعلى وجوههم الإبتسامة …
– وهل من المناسب أن تضعها لنقرأها نحن؟
قرر المدير أن يتحدث عن هذه اللوحة …
– هذه اللوحة هدية جاءتني من صديق، لم يكن من المناسب أن أعلقها في منزلي …
– نظر إليه فريق المناظرة وعلى وجوههم الإبتسامة …
– وهل من المناسب أن تضعها لنقرأها نحن؟
– لا، هذا خطأ غير مقصود
– أين هو منطقك حينما اخترت أن تضعها أمامنا؟
– أعترف بغياب المنطق في هذا الأمر والآن لا ألومكم على ما بدر منكم
– إذا أنت لا تختلف كثيراً عنا؟
– نعم البشر جميعاً متساوون في احتمالات الخطأ والصواب
– لكنك سوف تصحح خطأك أليس كذلك؟
– بلا شك أقدم لكم اعتذاري وأرجو منكم القبول
– اعتذارك مقبول ولكننا لم نعلن عن أحكام التي ينبغي عليك تنفيذها بعد.
– تفضلوا بإعلانها، لقد انتهت المناظرة
– الجميع يريد منك وضع هذه اللوحة في مكان واضح في منزلك لمدة لا تقل عن المدة التي وضعتها على حائط هذا الجدار
– وماذا بعد ؟
– الجميع يريد منك أن تضع هذه اللوحة في مكان الإلتقاء الدوري للأسرة في العيد القادم
– ابتسم الفريق الإداري والطبي، وطلب المدير إعفاءه من هذه الحكم فقد يكون سبباً لإفساد علاقات وقطيعة رحم وقد يفهم في غير سياقه
– طلب المناظرين الالتزام بتنفيذ الأحكام
– حسناً لكم ذلك.
وبحضور الجميع بادر المدير بإزالة اللوحة ووعدهم وعد الشرف بتنفيذ الأحكام جميعها ابتداءً من اليوم، وبعد انتهاء المناظرة، توجه إلى منزله وعلق اللوحة في مجلس استقبال الضيوف وخرج لحضور مناسبة اجتماعية امتدت إلى وقتٍ متأخر من الليل، لقد نسي أن زوجته قد دعت صديقاتها لتناول وجبة العشاء وتمضية سهرة ممتعة، حينما عاد إلى المنزل وهو يحاول أن يتناسى المناظرة التي خسرها ويجعل عقله منشغلاً بما دار من أحداث في تلك المناسبة الاجتماعية التي حضرها، فوجئ باستقبال زوجته له استقبالاً لم يكن متوقعاً لقد رأى ملامح عدائية كملامح بعض المرضى الذين لايعرفون طريقة إدارة مشاعرهم في ذلك المستشفى الذي يُديره، لم يكن هو على استعداد لإجراء أي حوارات فقد خسر في مناظرة سابقة ولم يكن على استعداد ليقضي ليلته في محاولة الفوز بشيء فهو منهك ويريد النوم لا أكثر، وقبل أن ينام أخبرته زوجته بأنها قد دعت أسرته لتناول العشاء في الغد، شكرها على هذه المبادرة وذكرها بالبر الذي سيكون عليه أبناءها والتوفيق الذي سيغمر حياتها والاجر الجزيل الذي سوف تناله من مثل هذه المبادرات النبيلة، نام وهو مبتسم وصوت في داخله يهمس هذا ماينبغي أن تكون عليه حياة العقلاء والنبلاء، في الغد كان منشغلاً طوال النهار بعمله وبعد أن عاد عند حلول المساء بدأ أفراد أسرته بالقدوم وقد كان منشغلاً باستقبالهم لم يكن يهتم في تفاصيل المناسبات فهو يعرف تمام المعرفة أن زوجته لن تقبل منه أن يتدخل بذلك فهذه هي متعتها لقد نسي أمر اللوحة تماماً، وبعد أن جلس جميع المدعوين من أفراد الأسرة شعر أن هناك شيئاً غير معتادٍ منهم، أين هي أصوات الضحكات الجلية والاحاديث العامة والجانبية التي كانت المجالس تعمر بها، لاحظ متأخراً أن الجميع يبدو عليهم عدم الارتياح وشيء من العبوس، لقد كان مبتسماً يحاول أن يحرك المجلس بأحاديث ومواضيع هي محل اهتمام الجميع ولكن حينما وقعت عينه على تلك اللوحة التي علقها يوم أمس تذكر ابتسامة الأشخاص الذين قاموا بمناظرته، وحين أمعن بملامح العبوس الظاهره في وجوه الحاضرين من حوله أدرك حجم تورطه حين تساهل في قبول تلك المناظرة، لقد حضر في ذهنه أن زوجته كانت تريده أن يعايش ماجعلها تعايشه عند حضور صديقاتها ليجدوا تلك اللوحة التي تحمل تلك العبارة أمام أعينهم، وأن دعوتها لأسرته لم تكن إلا لرد الاعتبار ليذوق من نفس الكأس، أما صديقه الذي أهداه اللوحه فقد شعر تجاهه بأن لا أحد يمكن أن يؤذيه كما فعل صديقه بهذه حينما قدم هذه الهدية، لقد بدت مجرد لوحة جميلة بالنسبة له ولكنها بدأت في إظهار قدرتها على تغيير أحداث واقعه، لقد مضت تلك الليلة وحاول أن يذكر لجميع من حضر قصة تلك اللوحة وماتسببت به وذكر ممازحاً أنه لم يعد يعلم احتماليات استمرار زواجه فقد كانت صديقات زوجته في زيارة لها في يوم أمس وكانت اللوحة معلقة كما هي عليه، لم تنل محاولات الاعتذار وتلطيف الأجواء القبول المتوقع، لقد غادر البعض بنية عدم العودة لقبول أي دعوة مستقبلية …
وبعد مغادرة الجميع، توجه إلى زوجته ولإيصال انزعاجه مما عايشه بالغ في الثناء على اهتمامها غير المسبوق بالتفاصيل والذي جعل من ضيافته لبعض أفراد عائلته ذكرى مُخلدةً في الذاكرة يصعب نسيانها، لم تعلق الزوجة حول الأمر فهي قد قررت تطبيق سياسات الصمت العقابي كنوع من إكمال خطتها في رد الاعتبار لكبريائها، الكبرياء!! وهل تعرف المرأة أي وسطية عندما يتعلق الأمر بالكبرياء خصوصاً عندما يكون الرجل لم يقم بالزواج بغيرها؟إ لقد شعر ذلك المدير أن أولئك المرضى المتماثلين للشفاء قد حطموا أسوار المستشفى وأنه الآن سيواجه جميع المصابين بالعلل النفسية خارج الأسوار، ومن المحتمل أن يكون واحداً منهم إذا لم يتحلى بالهدوء والرزانة، ياااه هل تفعل مثل هذه اللوحة كل هذا؟! هل للوحة تحمل بضع كلمات كل هذا الكم من القدرة على تغيير إيقاع أحداث الواقع؟ … أين صاحب تلك اللوحة؟ أرسل إلى صديقة ذلك الفنان والخطاط المحترف يطلب منه الالتقاء به، وعند اللقاء جرت المحادثة …
– أيها الصديق أريد أن تخبرني بسر تلك اللوحة التي قدمتها مشكوراً كهدية لي
– مبستماً سأله ذلك الصديق، ماذا حدث؟
– لقد كان لتلك اللوحة دور سلبي في تغيير إيقاع أحداث الواقع الذي أعيشه.
– أليس للتغيير حتى وإن كان سلبياً في نظرك قدرة تسهم في جعل الإنسان يكتسب نظرةً أكثر شمولية؟
– بلى …
– لا أتصور أن أحداً بحاجة إلى أن يكون صاحب نظرةٍ شمولية أكثر منك، فأنت تُعرف أنصاف القصص التي أدت إلى أن يكون هناك مرضى في ذلك المشفى الذي تُديره لقد ساعدك الحظ في أن تكون المدير لا واحداً من أولئك الذين يعانون، لقد قمت بإهدائك تلك اللوحة لتعيش قصة تجعلك قادراً على فتح مخيلتك وعاطفتك على جميع القصص
– حسناً، لقد فهمتك كنت تريد لصداقتنا أن ترتقي إلى مرتبة الحكمة، ولكن ما هو رأيك … لقد حدث بسبب تلك اللوحة العديد من الأحداث المتسارعه “وذكر له ما يتعلق بموضوع المناظرة، وماحدث بعدها في منزله ووقع في نفوس بعض أفراد عائلته ” … وأنه الآن يواجه مشكلة قادمة حيث أن هناك حُكماً أخيراً عليه تنفيذه يقضي بأن يقوم بتعليق تلك اللوحة في مكان إقامة الاجتماع الدوري للعائلة في العيد القادم!!
– دعنا نقوم بتخيل ردود الفعل وما هي أسوأ الاحتمالات الممكنة؟! … وبعد لحظات … تفجرت من أعماقهم الضحكات!! …
أجمع الصديقان على أن يكون هناك تفاوضاً أخيراً مع الأشخاص المتماثلين للشفاء يُقدم فيه الاعتذار ويُطلب فيه الإعفاء من الحكم الأخير بعد أن يتم ذكر ما قد واجهه ذلك المدير من أحداث وما فهمه من دروس ” جمال في غير موضعه ” إنها قصة يحتمل أن يعيشها الجميع قد تؤدي بالبعض إلى عيش المعاناة، وتفتح للبعض الآخر الأبواب للخروج من سلطة الظنون، الأحكام، التصورات والاعتقادات
شاركنـا :
- ما الرمزية في القصة؟
- ما الرسائل الظاهرة والخفية فيها؟
- شاركنا قراءتك الخاصة في التعليقات

اترك تعليقاً