‏المضغوط والمضروط
قصة قصيرة

.
.

في حلقة لتدارس الذكر، أغلق المُحدِّث كتابه وقال: أيها الصحبة الصالحة، فلتأذنوا لي أن أستشيركم في أمر قد يكون فيه خير لنا ولكم، فطلبوا منه أن يتفضل ويطرح الأمر، فسأل: ما رأيكم في أن نقتطع من بعض وقتنا في هذه الحلقة المباركة لننتقل من تدارس أخبار السابقين إلى تدارس بعض أخبار اللاحقين؟

رحب الجميع بالفكرة وطلبوا منه أن يتفضل بطرح أول موضوع ليتم تدارسه، فتبسم وحدثهم: إن من المعلوم أن في الحياة على مر العصور والأزمنة ضغوطًا تتناسب مع طبيعة إنسان عصرها وزمانها، ومن طبيعة ضغوط هذا الزمان ما يستلزم أن يراعي فيه الإنسان الآخر مُقدرًا حجم ما قد يقع عليه من الضغوط والمسؤوليات وما يواجهه من إحباطٍ وتحديات، فيبدر منه سقطات وزلات لا تشابهه ولا تشابه جوهره وأصالة معدنه، وهذا ما يمكن لنا أن نسميه إنسانًا مضغوطًا فنلتمس له عذرًا ونمد له من المودة والمحبة ما يكون له عونًا، ولكننا قد نحتار بمن نجده عكس ذلك، حيث لا تنقطع زلاته ولا تتوقف سقطاته ولا يرى في المودة والمحبة إلا ضعفًا وتذللًا، فماذا ترون في ذلك النوع وبمَ يمكن لنا وصفه؟

عذرًا… فلتأذنوا لي أيها الأصحاب الكرام بالمداخلة الأولى، ولعل لدي من التوصيف ما يكون منصفًا لأصف به ذلك النوع، – قالها أحد أعضاء الحلقة.

رحب الجميع بالمداخلة، فحدث: إن صاحبنا قد حدثنا عن النوع المضغوط من الناس ولسوف أحدثكم عن النوع الذي احتار فيه صاحبنا، وهو النوع المضروط، نعم وكلمة مضروط هي كلمة عامية بمعنى “ضرط”، تبسم أفراد الحلقة، وأكمل صاحبهم حديثه، وقد جاء تفضيل استخدامها للدلالة على أن ذلك النوع الآخر الذي لا تنقطع زلاته ولا تتوقف سقطاته ولا يرى في المودة والمحبة إلا ضعفًا وتذللًا هو خواء وفراغ داخلي امتلأ بكِبْرٍ وتعالٍ ظاهري، فأصبحت السقطات والزلات فيه سمات وصفات، فلا جوهر يمكن له استحضاره ولا معدن يمكن له إظهاره، ويكون كل ما لديه هو ما قد دعاني لأسميه بالإنسان المضروط.

تبسم وختم: هذا والله أعلم.

تبسم أعضاء الحلقة على استحياء وهزوا رؤوسهم، لا نزيد على ما قاله صاحبنا.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *