
الكلب المسعور
قصة قصيرة
.
.
.
في أحد المدن التي أخذت بالتمدد والاتساع، وفي أحد أحيائها الحديثة الراقية التي كانت بمثابة وجهها الجديد، كانت الكلاب تستغل تلك الأوقات التي تكون خارج أوقات الذروة لتعبر ذلك الحي دون نباح مزعج، لتعيد تموضع حدودها في الطبيعة، وتجدد أملها بأن تتحول في يوم ما، وتعود في حياة ما لتكون بشرية تسكن ذلك الحي أو ما يماثله.
وكان من سكان الحي كاتب استطاع أن يطوع عفريته الذي حاول أن يسكنه، فأخضع الكاتب عفريته وجعله يسكن قلمه.
وفي أحد الليالي، وعلى غير العادة، عبر الحي كلب كثير النباح. قال العفريت لسيده الكاتب: هل تريد أن آتيك بخبره؟
لم يعر الكاتب اهتمامًا لذلك، فقد يكون ذلك الكلب خائفًا من امتداد وتوسع المدينة.
مر يوم آخر، وعاد ذات الكلب للنباح ليلًا.
قال العفريت لسيده الكاتب: هل تريد أن آتيك بخبره؟
لم يعر الكاتب اهتمامًا لذلك، فقد يكون ذلك الكلب خائفًا ويريد من خلال ذلك النباح أن يظهر عكس ما يشعر به.
مر يوم ثالث، وعاد الكلب للنباح ليلًا.
أعاد العفريت قوله لسيده الكاتب: هل تريد أن آتيك بخبره؟
فرد الكاتب: لا تأتني بخبره، بل ائتني به.
وما هي إلا لحظات، والعفريت أصبح فيها واقفًا بابتسامة مهيبة أمام الكلب، فقرأ عليه تعويذة أخرجت الكلب النابح من جسده، فأصبح الكلب يطفو في الفراغ كفقاعة صغيرة.
طار العفريت بالكلب داخل تلك الفقاعة إلى سيده الكاتب، ووضعها أمام مكتبه، ثم عاد لسكنه… عاد إلى القلم متهيئًا لتحقيق سوف يجريه مع ذلك الكلب بواسطة سيده الكاتب.
كان الكلب داخل الفقاعة خائفًا كثير النباح، وتحول ذلك الخوف ليكون في حالة من السعار، وبعد هذا التحول تلقى من الكاتب وخزةً بواسطة القلم ليهدأ ويدخل في حالة تنويم مغناطيسي.
دعنا نرى ما لديك… قال الكاتب.
الكاتب: ما الذي يدفعك لتصل إلى مرحلة أن تكون مسعورًا؟
الكلب: الهدوء الظاهر على سكان الحي.
الكاتب: وما الذي يزعجك في هذا الهدوء أيها الكلب؟
الكلب: إنهم لا يعرفون كم يكون مؤلمًا كبت الرغبة، هذا الهدوء فيهم هو عدم شعور بالقهر الذي نعانيه نتيجة ما نكبته.
الكاتب: عن أي الرغبات تتحدث، وما الذي تكبته أيها الكلب؟
الكلب: الرغبة في أن تكون أصواتنا موسيقية، في أن يكون حضورنا معترفًا به، في أن نستطيع العيش داخل الأحياء الحديثة ونعبر عن طبيعتنا.
الكاتب: ولكن صوتك أبعد ما يكون عن الموسيقى، وحضورك لا يزال بدائيًا فوضويًا غريزيًا.
الكلب: وما هو الفارق بيننا وبين تلك الكلاب التي يتبنون تربيتها ويهتمون بإطعامها ورعاية صحتها؟ أليس في ذلك تمييز وعنصرية؟ أليس من حقي أن أثور وأتحول إلى كلب مسعور؟!
الكاتب: إذًا أنت كلب تحمل بوادر تمرد وثورة؟
الكلب: أعدني إلى جسدي، فالليل قصير، وأريد أن أكمل نباحي!
الكاتب: ما رأيك في أن أتبناك وأعتني بك أيها الكلب؟
الكلب: مقابل ماذا أيها الكاتب؟
الكاتب: مقابل قبول أن أرسلك إلى أحد مراكز العناية بالحيوان، ليتم إجراء بعض الفحوصات الطبية لك، وتتلقى بعض اللقاحات، وتجري بعض التدريبات التي تطوع سلوكك، ولاحقًا قد نقوم بإجراء عملية لإخصائك.
الكلب: هل تريد مني قبول أن أكون شبه كلب؟!
الكاتب: إذًا لماذا أنت غاضب من حي مليء بشبه إنسان؟
لم يستطع العفريت أن يكتم ضحكاته، فخرج من القلم مسرعًا، منطلقًا إلى السماء ليطلق ضحكاته في فضائها، ثم عاد بعد ذلك…
الكلب: أقدر عرضك، ولكني أرغب بالعودة إلى جسدي لأغادر هذا الحي بهدوء.
الكاتب: ولكن ماذا إن سمعت نباحًا يصدر منك مرة أخرى؟
الكلب: لك أن تتبناني حينها.
الكاتب: حسنًا، سيعود بك العفريت إلى جسدك، استمتع ببساطة بتجربتك، ولا تحاول أن تختبر قيمة وجودك أو تفرضه، أو تفترض أن له قيمة من خلال النباح على الآخرين.
رمى الكاتب القلم، خرج العفريت حاملًا الكلب داخل الفقاعة، عائدًا به إلى جسده.
غادر الكلب الحي بتجربة فريدة، ومعرفة جديدة، وبقصة قد يتناقلها أجيال من الكلاب لأزمنة عديدة.

اترك تعليقاً